آخر تحديث: 14 / 12 / 2017م - 6:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة التعاون

محمد أحمد التاروتي *

الطبيعة الانسانية المجبولة، على التجمعات البشرية، وصعوبة العيش بشكل انعزالي، والاستغناء عن الآخرين، سواء على صعيد توفير أسباب العيش، او الحاجة الى تنمية المدارك الفكرية والثقافية، تلك الطبيعة، تفرض على كل فرد على كوكب الارض، مد يد العون للاخر.

التعاون واقع يصعب الفكاك منه، فمهما بلغت قدرة الانسان، على توفير غالبية احتياجات المعيشية، والفكرية، فانه سيبقى عاجزا تماما، عن إغلاق جميع الأبواب امام بني جنسه، فتركيبة الحياة البسيطة، والمعقدة تجبر البشر على الاستفادة، من القدرات التي يمتلكها البعض، ويفتقدها البعض الاخر، حيث تترجم هذه الحاجة، في العديد من الشؤون الحيانية واليومية، اذ يعبر عنها القرآن الكريم ب "السخرية" ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، بمعنى تسخير الطاقات التي يمتلكها البشر، في استكمال الدورة الحيادية، فكل إنسان يمتلك من القدرات، من يؤهله للعب دور هام في المجتمع، اذ لا يوجد عمل في الدنيا، لا يمثل حجر أساس، في البناء الإنساني بشكل عام.

البناء القائم على التعاون، ينطلق في الأساس من الضعف البشري، في النهوض بالأعباء الكاملة، لتوفير أسباب العيش الرغيد، والبقاء بمعزل عن التجمع البشري، فالإنسان يتحرك وفق طبيعة، تدفعه بقوة باتجاه التواجد، في الأماكن ذات التجمعات البشرية، والهروب من الجغرافيا، التي تفتقر للبشر، نظرا لصعوبة الاستمرار في الحياة، بالأماكن التي تفتقر للتجمعات السكانية، والتي تسهم بدورها في العمارة، والقدرة على الانطلاق بحرية تامة.

ثقافة التعاون مبدأ بشري وفطري، لا يحتاج الى تدريس، او وضع مناهج تعليمية، في الأكاديميات او المدارس، فالبشر منذ القدم وجد نفسه، غير قادر على العيش، دون ابداء مزيد من المرونة، تجاه بعضه البعض، فالفقير بحاجة الى الغني، والغني لا يستغني عن الفقير، بمعنى اخر فان الحاجة المتبادلة، تفرض وضع إطار اخلاقي واجتماعي، لضبط إيقاع العلاقات البشرية، في مجتمع التجمعات البشرية.

يحاول البعض تفسير واستخدام ثقافة التعاون بطريقة غير اخلاقية، اذ يسعى لاستغلال النفوذ السياسي، والاجتماعي، في ممارسة العبودية تجاه الاخر، بحيث يخرج مبدأ التعاون، من القالب الطبيعي، للدخول في ممارسة الاذلال، تجاه الأطراف الضعيفة، كما ان البعض يترجم التعاون، بطريقة معاكسة تماما، الامر الذي يفسر حالات القهر، التي تمارسها بعض الشرائح الاجتماعي، ة تجاه فئات محددة، فالنفوذ الاجتماعي الذي يمتلكه - البعض - يدفعه لاتخاذ منهج ”العبودية“، عوضا من مبدأ التعاون القائم على المساواة البشرية، خصوصا وان الله خلق البشر على قدم المساواة.

ثقافة التعاون من المبادئ الثابتة، والاساسية في جميع الرسالات السماوية، خصوصا وان التعاون يسهم في رص الصف الواحد، ويحول دون تمزيق المجتمع، الى فئات تقاتل بعضها البعض، فالكثير من الاعمال يصعب تحقيقها بجهود فردية، حيث تتطلب تحركا مشتركا لإنجازها، نظرا لصعوبتها، وعدم القدرة على النهوض بها بشكل فردي، ﴿و تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا الاثم والعدوان.

كاتب صحفي