آخر تحديث: 24 / 11 / 2017م - 3:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

مغزى العودة إلى الأرشيف

حسن السبع صحيفة اليوم

العودة إلى الأرشيف تعني التفاتة إلى الوراء، أي إطلالة على التجارب السابقة لمعرفة أين كنا، وأين نحن الآن، وإلى أين نتجه؟ هل تجاوزنا الأفكارَ والقضايا القديمة إلى أخرى أكثر جدةً وحداثة وتناغما مع إيقاع الحياة الحديثة، أم أننا نعيش الحاضر وِفْقَ ثقافة تدور في فلك الماضي؟ هل أضفنا شيئا أصيلا، أم ما زلنا نعيد استنساخ التجارب السابقة؟

في أرشيف الثقافة المحلية اجتهادات ثقافية لما يسمى «الرعيل الأول». مِن ذلك الرعيل مَن خرج من الذاكرة الثقافية ولم يعد، حتى لو كانت مؤلفاته تشغل حيزا من رفوف المكتبات. وقد أعد أحد محرري الثقافة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ملفا يضم نماذج من كتابات رموز الثقافة آنذاك. مرة تحت عنوان «من أحسن ما كتب» وأخرى تحت عنوان «من أحسن ما نظم». وقد جاء اختيار الفعل «نظم» في محله، وإن كان رميةً من غير رامٍ، إذْ لم يقصد المحرر أن النصوص المختارة أقرب إلى روح النظم من روح اللحظة الشعرية، بل باعتبارها منتهى الإبداع.

ليس في تلك المختارات ما يميزها عن القول المألوف المثقل بعبارات يسبق المتلقي الكاتبَ إلى إكمال بقيتها. فهي محاكاة لمثال سابق، إن لم تكن صدى باهتا لذلك المثال. وسواء قُيّمَت تلك النماذج بمعايير حديثة أم بمعايير أزمنة سابقة فإن كفة الإبداعات التراثية هي الراجحة.

ليست العبرة بالجدة أو القدم، فروائع الماضي ما زالت تؤكد حضورها المتألق رغم التقادم، لأن الإبداع لا يتقادم. وفي مقابل تلك الروائع كتابات جديدة أبعد ما تكون عن روح الحاضر والمستقبل وعن آثار الماضي الخالدة المتجددة. إن العبرة بالإبداع وحده.

يلخص أدونيس هذه الفكرة في توصيفه للمبدع المتجه نحو المستقبل بقوله: «إن جديده الحقيقي يعانق القديم الحقيقي»! نعم، يعانق ولا ينسخ أو يكرر. قد يكون الإبداع قديما بحساب الزمن لكنه حديث بمعيار الفن. فهل ما زال إنتاج تلك الأسماء حديثا رغم تقادمه؟ وهل لتلك الأسماء التي تحتل حيزا كبيرا في الأرشيف الثقافي المحلي حضورٌ دائم في حياتنا الثقافية؟ وهل كان حصاد أقلامها مصدر إلهام للأجيال اللاحقة؟

لا يوجد بين ذلك «الأحسن» ما يمكن أن نقول عن كاتبه ما قاله هنري ميلر عن آرثر رامبو. يقول ميلر: «فسّرْ عمله كما شئت، اشرح حياته كما أردت، المستقبل كله له. حتى لو لم يكن أمامنا مستقبل»! فهل في ذلك الأرشيف نص صاعد نحو المستقبل؟

لا عبرة في اختيار بعض تلك الكتابات لتكون جزءا من مناهج التعليم. إن حضور بعض الأسماء ضمن المنهج المدرسي لا يعني التفرد والتجاوز والإضافة، فهي لا تعكس إلا ذائقة من اختارها.

خلاصة القول إن امتلاك أدوات الكتابة والقدرة على التعبير، وإتقان نقش الزخارف اللفظية لا تعني القدرة على التجاوز والإضافة والتماهي مع المستقبل. وحين أقول ذلك فإني لا أخالف وصية الكاتب الداغستاني رسول حمزاتوف فأطلق نار مسدسي على الماضي. فلم يلعب ذلك الجيل دورا ثقافيا رياديا بارزا في حقل الفكر أو الإبداع الأدبي، وإنما في مبادراته الرائدة في مجال التحرير الصحفي والنشاطات الثقافية الأخرى كالبحوث التاريخية والتراثية والدراسات الأدبية في مرحلة اتصفت بشح الإمكانات، وندرة الموارد، وبدائية الوسائل، وضراوة الممانعة الاجتماعية لكل جديد. فما بالكم إذا تناول الجديد بالنقد بعض القيم الاجتماعية ضمن محيط ثقافي يعتبر العادات والتقاليد ثوابتَ لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها. وللحديث عن مغزى العودة إلى الأرشيف بقية.