آخر تحديث: 24 / 3 / 2017م - 1:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفن لمواجهة التطرف

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

عرف العراق أول آلة موسيقية في الحضارة الإنسانية، لكن في إحدى حالات الانحطاط قبل ألف عام، لاحق المتطرفون آلات الموسيقى فدمروها. لم تكن المعركة بين الحلال والحرام كما يشاع؛ بل كانت من أجل الهيمنة على الناس والاستحواذ على خياراتهم!

نحتاج إلى قراءة بانورامية للمشهد السياسي والاجتماعي لبغداد؛ حاضرة الدولة الإسلامية، عشية تسلم الخليفة الراضي مقاليد الحكم هناك. في عام 322 للهجرة، أي ما يقارب 934 للميلاد، كانت الدولة العباسية في حالة تمزق وانحلال سياسي، مع انشقاق أقاليمها وقيام دويلات في أطرافها. شهدت البلاد حركات يمكن اليوم تصنيفها بأنها «إرهابية»، كالقرامطة، وشهدت حركات تطرف فكري بعضها ادعى الألوهية، وفي تلك الفترة، خصوصًا في السنة الأخيرة لحكم الراضي، شهدت بغداد ما يشبه الفيضان، «غرقت بغداد غرقًا عظيمًا، حتى بلغت زيادة الماء تسع عشرة ذراعًا وغرق الناس والبهائم، وانهدمت الدور...».

وسط هذا المشهد، فوجئ الناس بحركة تطرف من نوع خاص، قام بعض المتدينين بمهاجمة مجالس الترفيه واللهو حتى صاروا، كما يقول ابن الأثير في «الكامل»: «إِنْ وَجَدُوا مُغَنِّيَةً ضَرَبُوهَا وَكَسَرُوا آلَةَ الْغِنَاءِ»، و«منعوا مَشي الرِّجَال مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوا «الرجل» عَنِ الَّذِي مَعَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ، وَإِلا ضَرَبُوهُ وَحَمَلُوهُ إلى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْفَاحِشَةِ... فَأَرْهَجُوا بَغْدَاذَ». لم يرضخ الخليفة الراضي لهذا السلوك، بل اصطدم بهم، وأجبرهم على الانكفاء لفترة.

لم تكن بغداد التي عرفت الفن والموسيقى منذ حضارات سومر وبابل وآشور، وترجع إليها قيثارة أور؛ أقدم آلة موسيقية عرفتها البشرية، بلاد إسحاق الموصلي، وتلميذه «زرياب» الذي غنى لهارون الرشيد: «يا أيها الملك الميمون طائره/ هارون راح إليك الناس وابتكروا...»... لم تكن بغداد تلك جاهزة لاحتضان حركة كهذه، فتم احتواؤها والحدّ من تغوّلها في الحياة العامة، ولم تشغل الأوضاع السياسية والاجتماعية أهل السلطة لكي يغضّوا الطرف عن هذا التكدير المتعمد لراحة الناس واطمئنانهم.

وأثبتت الحادثة أن التطرف لا يتعايش مع الفن. طبيعة الفن أنه النقيض الطبيعي للتشدد، لذلك فهو محارب ومنبوذ ومحاصر، ولذلك أيضًا فهو ضرورة لتفريغ التطرف من بعض طاقته، وهو أكثر أهمية في كونه يمنح الناس خيارات متعددة، لا يرتضيها المتشددون الذين يريدون الهيمنة على فكر الناس وتوجيههم.

لا أحد يبالغ في التصوّر أن الفن: موسيقى ومسرح وسينما ورسم وغناء، يمكنه «وحده» أن تمنع النزعات العنفية في المجتمع كونها ترقق أحاسيس الناس وتلين طباعهم وتنزع التوحش من سلوكهم، وعلى رأي الإمام أبي حامد الغزالي: «من لم يهزه العود وأوتاره، والربيع وأزهاره، والروض وأطياره، فهو مريض المزاج يحتاج إلى علاج...»!، لأن التشدد والتطرف والنزعات المتوحشة ستبقى ملازمة لسلوك الإنسان؛ تعلو وتهبط، لكن أهمية الفنون أنها وسائل بديلة وضرورية أمام الناس لكي يكونوا طبيعيين لا ينقادون لعناصر الإكراه والتوجيه والبرمجة الثقافية... الفن عابر للهويات والنسقيات والتمايز بين البشر، والفن يقرب الناس بعضهم من بعض، ويمنحهم فضاءً مشتركًا يتعايشون فيه، والفن وسيلة لارتخاء الشعور المثقل بالكراهية، وفوق هذا وذلك؛ وسيلة للانفكاك من أسر الهيمنة النسقية لتيار التطرف.