آخر تحديث: 22 / 5 / 2017م - 8:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

«الطائفية» المسكوت عنها!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

في عام 1962، وبعد عام من منفاه في براغ، كتب الشاعر العراقي الكبير، محمد مهدي الجواهري، رائعته «يا دجلة الخير»، التي راح يتحسّر فيها على كل جميل افتقده في بغداد، من بينها: «والمُسْمع ِ الدهرَ والدنيا وساكنها/ قْرعَ النواقيس في عيدِ الشعانينِ». وقتها لم يكن قرع النواقيس في «أحد الشعانين» مشوباً بالخوف والترهيب بل كان تعبيراً عن تراث قومي، وليس طقساً لفئة مخصوصة.

«أحد الشعانين»، أضحى دامياً، و«أسبوع الآلام» جاء مبكراً، بعد تفجير كنيستي مصر: «مار جرجس» في طنطا، ومحيط الكنيسة المرقسية بالإسكندرية. بالنسبة لتنظيم داعش الإرهابي، فقد أسفر عن وجهه، وكشف نواياه، وقبل هذه الجريمة فجّر جوامع ومساجد وكنائس وقتل الناس على الهوية الدينية والطائفية، وهو يعلن في كل مرّة أنه يسعى لإشعال الفتنة الطائفية والمذهبية، وإغراق البلاد في الفوضى، وتقويض سلطة الدولة، وإحداث بيئة خراب ينمو وينتعش فيها.

هذا هدف مُعلن لـ «داعش». لكن ماذا عن الآخرين؟... عن الجماعات والتيارات والأحزاب والقنوات الفضائية والمشايخ والكتاب والإعلاميين، إذا كانوا يؤدون الدور نفسه ولكن بأدوات ناعمة؟

كُلنا نسمع بالفتنة الطائفية التي تتربص بنا وتهدد وجودنا وتعايشنا، ولكننا نستّخِفُ بهذا الخطر، ما دام لا يمسّنا، وما دام الآخرون هم الذين يصطلون بهذا الجحيم، ويعانون من ويلاته... التسعير الطائفي، وإطلاق العنان لأبواق الفتنة، والتمادي في ازدراء الآخر، وإهانة مقدساته، وممارسة التمييز بحقه، وقهره، والحط من كرامته، ودفعه نحو الهامش... كلها تلتقي في طريق الفتنة، التي لا ينجو منها أحد.

يُعّد المفكر السوري، برهان غليون من أفضل من درس المشكلة الطائفية، وخصها بدراستين تعتبران أفضل ما كتب في هذا المجال، كتاب: «المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات»، الذي طُبع أول مرّة في بيروت سنة 1979، وكتاب: «نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة»، الصادر عام 1990. في كلا الكتابين، يؤكد غليون أن الطائفية مشكلة تنتمي إلى ميدان السياسة وليس للدين أو العقيدة. وفي مقال له مؤخراً يقول إن الطائفية «تشكل سوقاً موازية، أي سوداء للسياسة، أكثر مما تعكس إرادة تعميم قيم أو مبادئ أو مذاهب دينية لجماعة خاصة». والفرضية الرئيسية في نظريته هي أن الطائفية لا علاقة لها في الواقع بتعدد الطوائف أو الديانات.

برأي غليون: «الطائفية هي التعبير السياسي عن المجتمع العصبوي الذي يعاني من نقص الاندماج الذاتي والانصهار، حيث تعيش الجماعات المختلفة بجوار بعضها البعض، لكنها تظل ضعيفة التبادل والتواصل فيما بينها».

لا يوجد علاج أسوأ من التكتم على المشكلة. ولا يوجد إجراء أكثر سوءًا من التعمية، ونكران المرض، وعدم مواجهته بالصراحة والشجاعة والشفافية. استخدمنا الولاء الطائفي بديلاً عن قانون المساواة وتكافؤ الفرص، وظللنا نردد على مرّ السنين أن لا مشكلة طائفية، ولا عنصرية، ولا قبلية بيننا، وأننا إخوة كأسنان المشط، حتى إذا ما انكشف المستور وجدنا كل واحد منا ينهش الآخر بأسنانه!