آخر تحديث: 22 / 9 / 2017م - 1:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

ماذا يعني لك الثراء؟

ياسين آل خليل

معظمنا يربط الثراء بالمال، والإستثمارات العقارية من أراض ومبان وبيوت وما يمتلكونه من شركات وأصول. إذا كانت الثروة الحقيقية لا تتعلق بالممتلكات المالية وحدها، وإذا لم يكن لدى أساتذة المحاسبة والمال فَهْمٌ فِعْلّي لقياس الثروة، فلربما علينا إعادة تعريف ”الثراء“ الحقيقي وإعادة إكتشافه.

لنأخذ الثراء ”الحقيقي“ على أنه أداة لقياس وتقييم الظروف المادية والنوعية لجميع الأشياء التي تجعل الحياة جديرة بالإهتمام. أغلب الناس اعتادوا أن يحسبوا ”الثراء“ من زوايته المالية فقط، وهذه نظرة قاصرة. فَلَو اعتبرنا جدلًا بأن رأس المال يعني الثروة، والثروة هي حالة من حالات الرفاهية، وأن للرفاه مصادر أخرى غير تلك المرتبطة بالمال، فهذا بطبيعته يوصلنا إلى نهج جديد لقياس الثراء الحقيقي.

هناك سمات فردية من شأنها تذليل الصعاب لخلق الرفاه الشخصي والإجتماعي والإقتصادي، وهذه الصفات تتجسد في أربعة جوانب إنسانية تكاملية. هذه السمات أو الأصول إن صحّت التسمية، تتمحور في الجانب العاطفي والجسدي والروحي والعقلي. والناس من خلال ما يحملون من إرادة قوية وممارسات حثيثة لهذه الأصول، يسعون جاهدين لأن يحققوا رؤيتهم لحياة طيبة.

المجتمعات اليوم تواجه تحديات كبيرة في حياتها وعليها أن تبحث عن السعادة فيما يتوفر لديها من إمكانات. ولكن ماهي الأصول التي تُسْهم في خلق إنسان متوازن؟ وما هي العوامل التي تساهم في خلق حياة طيبة..؟ أولًا نحن بحاجة إلى إعادة النظر ومعايرة كل ما يهمنا حقًّا. نحن لا نعرف ما الذي يحمله المستقبل، لكننا نعرف حق المعرفة أنه بالإضافة إلى ما يجب علينا تحقيقه من أمن مادي لأسرنا، هناك ثروة تتمثل في الصحة العاطفية وكذلك الروحية والتي علينا أن نرعاها هي الأخرى حق رعاية.

الكثير اعتقد أن السعادة تكمن في الثراء المادي، ولهذا استثمر البعض ولربما أغلب الناس جُل أعمارهم ليجمعوا ما أمكنهم من مقومات الثراء المادي، ليكتشفوا بعد فوات الأوان، أن الثراء المادي وحده لا يضمن سعادةً لأحد.

أظهرت العديد من الدراسات بأن رأس المال العاطفي والصحة الجسدية والعقلية هي الرصيد الأوفر حظًّا والمُحفّز الأول لزيادة الإنتاجية وتنمية الروح المرحة والمُحبة للحياة، فما بالك عندما تجتمع هي الأخرى مع المال، لاشك أن ذلك سيضاعف من فرص النجاح والفوز بالسعادة، التي هي حلم الجميع.

الناس السعداء هم الأكثر إبداعًا والأكثر قدرةً على حل المشاكل بشكل أفضل وأسرع. كما أنهم يتمتعون بمستويات عالية من القيادة وهم أيضًا الأطول أعمارًا بين أقرانهم والأكثرُ تمسكًا بالحياة. لكن هل هذا يغنيهم عن المتطلبات المادية، ونحن نعلم جميعًا كيف أن المال أصبح عَصَب الحياة العصرية وبدونه لا يكادُ بمقدورك تحريكُ ساكن أو إيقاف متحرك.

الثراء العقلي هو حالة ديناميكية تشير إلى قدرة الأفراد على تطوير إمكانياتهم والعمل على بناء علاقات إيجابية قوية مع الآخرين، والمساهمة بشكل فاعل في مجتمعاتهم، وهنا يكمن ”الثراء“ الحقيقي. إن آثار رأس المال العقلي على حياة الفرد والمجتمع عميقة وكبيرة ومن الأهمية بمكان لا يتسع للتفصيل في هذه العجالة.

إن فهم محددات الرفاه والسعادة البشرية أمرٌ في غاية الأهمية لما له من أثر في تحقيق البيئة الحياتية المطلوبة والمستدامة. الفلاسفة والمفكرون الإجتماعيون دخلوا في صراع دام عدة قرون للإجابة على الكثير من الأسئلة التي تدور حول مفهوم الثراء وعلاقته بسعادة الإنسان وتوصلوا إلى استنتاج جميل أختتم فيه هذه المقالة ويخلص إلى القول بأن القدرات الروحية والجسدية والعقلية تحمل ذات الأهمية التي يحملها العنصر المادي في حياة الإنسان وبحضورهم مجتمعين تكتمل الوصفة السحرية. إذا كان هذا هو مفهوم ”الثراء“ عند هؤلاء الكوكبة من المفكرين والعلماء، فماذا يعني لك أنت، وأيُ مفهومٍ تتبنى؟