آخر تحديث: 22 / 11 / 2017م - 5:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

أم علي ترابه... الناعية والمعلمة

محمد أبو زيد

لقد أجابت نداء ربها الكريم ظهر هذا اليوم الجمعة السادس عشر من شهر رجب الأصب الناعية الحسينية والمربية والمعلمة القديرة الملاية فاطمة بنت المُلا احمد ال تراب.

تنتمي ”أم علي ترابه“ الى جيل الناعيات المشهورات في جزيرة تاروت ”مسقط رأسها“ من أمثال الناعية السيدة علوية بنت سيد جواد وبنت حجي علي قيصوم وبنت الحاج عبد الله ال محمد حسين وغيرهن من الناعيات الكبيرات.

تعلمت النعي على يد معلمتها الملاية المشهورة زهراء بنت حسن انصيف المعروفة ب ”بنت انصيف“ وكانت الأخيرة معاصرة للناعية والمعلمة الكبيرة السيدة تاجة والدة الوجيه الحاج محمد تقي آل سيف.

كما ان مأتمها في أرض الجبل يعتبر احد اقدم وأكبر ثلاثة مآتم نسائية لا تزال قائمة وهي مأتم او حسينية المعلمة ”أم علي داوود“ ومأتم بنت عبد النبي ”حسينية بنت جاسم الآن“.

استطاعت ”أم علي“ ان تسجل حضوراً متميزاً في عدد من الصُعد والأدوار في المجال الاجتماعي ومجالات التعليم والنعي الحسيني.

ففي مجال النعي والخدمة الحسينية تتميز الفقيدة بالإخلاص والشعور بالمسئولية فكانت ”رحمها الله“ مثالاً في عفة اللسان وحسن وطهارة الأخلاق والاستقامة السلوكية على منهاج السلف من الناعيات، وكان موكبها اثناء ذهابها وايابها للقراءة تحفها طالباتها ومريداتها من نساء الحي مهيباً ومُلفتاً لنظرنا ونحن لا نزال أطفالا صغارا، حيث يتجلى العفاف والحجاب الفاطمي والزينبي لنا في اروع وأقدس مظاهره، فكانت بحق مراءة صادقة لما نسمعه من الخطباء عن مخدرات بيت الرسالة والإمامة وزوجات العلماء والمراجع.

اضافة الى ذلك تميز نعيها بالصدق وحرارة العاطفة فكان ما يخرج من القلب يصل الى القلب وقد حباها الله صوتاً بنبرة شجية وظفته بامتياز في إذكاء العواطف وتأجيج المشاعر فكانت موفقة بحق في هذا المجال وان كان هناك من يمتاز عليها بعذوبة الصوت من ناعيات جيلها الا أنهن لا يتميزن عليها في قوة التأثير، ما جعلها تتربع على عرش النعي الحسيني لعقود من الزمن.

وفي مجال التعليم استطاعت أن تستقطب جيلَ الشابات الراغبات في تعلم النعي فجعلت من مأتمها الذي كانت بداياته كوخاً مبنياً من جذوع وسعف النخل، ملتقى حسينياً تُحيي فيه ذكريات ومناسبات أهل البيت ”“ ومركزاً تعليمياً لجيل من الناعيات تخرجن على يديها وهم عشرات يشغلن الساحة الحسينية الآن ممن يشار إليهن ويعرفن بإجادة النعي والقراءة الحسينية المرتكزة على أسس فنية ومعايير جودة عالية في الأداء والالتزام الديني والاخلاقي ومهارات ومتطلبات ذات صلة بهذه الخدمة المقدسة.

من مزاياها النادرة في التعليم انها كانت تتوسم وجوه وقدرات وامكانات من يلتحق بها «المتفوقات والنابغات» وترسم لهن مساراً مختلفاً وتحفزهن للقراءة والمشاركة المبكرة وان كان هناك من يسبقها في التعليم، وكانت حتى بعد تخرجهن واستقلالهن بالنعي تتقاسم معهن ما يصل اليها من أجرة وان لم يشاركنها في قراءة المجلس... وهذا سلوك جدُ غريب ومتميز وفريد من نوعه لم يعهد ان غيرها كانت تمارسه!!

وقد وفقت ”رحمها الله“ لإعداد وتدريب وتعليم هذا العدد من الناعيات الحسينيات المتميزات، ولا يعرف ان غيرها وفق لتخريج هذا العدد من الناعيات ”“ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" وهو توفيق وعناية وفضل من الله خصت به ربما بسبب إخلاصها في مجال الخدمة الحسينية.

وفي المجال الاجتماعي وخدمة المؤمنين في مناسباتهم المختلفة كانت الفقيدة مثالاً للتواضع والتعاون وإحياء القيم الدينية والأخلاقية بسلوكها قبل منطقها، فكانت تمتنع عن أخذ الأجرة على قراءة الفواتح خصوصا اذا كان المتوفى ضعيف الحال، كما كانت متواصلة مع جيرانها وأصدقائها وذوي الحاجة فكانت تتفقد جيرانها فعندما تمرض إحداهن او تضع مولودها تذهب الى بيتها وتقوم بخدمتها ورعاية اولادها وبناتها، وكان وجودها الى جانبهم في هذه الظروف مصدر اعتزاز وفخر وحياء وخجل في ذات الوقت.

ان قربها من الناس وسع دائرة علاقاتها الاجتماعية وجعل الكثيرات يلتزمن بخدمتها في مأتمها وبمرافقتها للقراءة الحسينية، كما أن بيتها كان منتدى لصديقاتها تستضيفهن كل ليلة بعد صلاة المغرب حيث لم تكن قراءات نسائية في الليل سابقاً ولا وسائل ترفيه كما هو الآن.

كانت لنا ذكريات جميلة مع هذه المعلمة والمربية الفاضلة توثق لمرحلة جميلة من تاريخ مجتمعنا وجيلنا، تعودنا وأخوتي وأبنائنا ومؤخراً أحفادنا على زيارتها في منزلها يوم عيد اَلْفِطْر المبارك كل عام وفاءً لها ولعلاقتها الوثيقة بخالتي المرحومة ”أم احمد القديحي“، وعندما نصل متأخرين احياناً تعاتبنا بعاطفة أم وتقول كُنتُ في انتظاركم من الصباح وطلبت من ”أم نواف“ ان تعد الشاي والقهوة لأَنِّ أولادي سيأتون لزيارتي اليوم وتهنئتي بالعيد.

في العيد المنصرم لم نتمكن من الدخول عليها لسبب حالتها الصحية اوصلنا سلامنا وتهنئتا لها بواسطة احد الأحفاد ونتوقع ان ذلك ادخل السرور على قلبها وذلك يكفي بالنسبة لنا.

اليوم لقيت الله ربها وساداتها لتكون وقادتها متزامنة مع ذكرى رحيل سيدتها ومولاتها الحوراء زينب لتكون في ضيافتها وجوارها الى الأبد...

تغمد الله الفقيدة السعيدة الناعية المخلصة ”أم علي“ بواسع رحمته ورضوانه وألحقه بنبيه واله الكرام ممن أفنت عمرها وزهرة شبابها في خدمتهم انه سميع الدعاء مجيب.