آخر تحديث: 29 / 5 / 2017م - 2:53 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«أم علي ترابه».. الأم في حقيقتها

محمد أحمد آل محسن *

يوم الجمعة الماضي السادس عشر من شهر رجب الحالي غادرت دنيانا إلى بارئها، جدتي ووالدتي الملاية فاطمة بنت ملا محمد سلمان آل تراب عن عمر ناهز التسعين عاما، قضت جله في خدمة إحياء ذكر أهل البيت ”قارئة وصاحبة مأتم“، وفي خدمة الناس من حولها. ولا شك ان حديث المرء عن احد يخصه قد تغلب عليه العاطفة والمدح، لكن ما يهون من ذلك الأمر، هو الإجماع من قبل اغلب من عرف هذه الشخصية على مزاياها وفضلها، وحسن سجاياها.

لعل أفضل توفيق حصلت عليه في هذه الحياة هو ان أعيش مع جدتي في بيت واحد، هذا التوفيق هو ما جعلني على ان أكون في تماس مباشر مع ما تقوم به ”ترابه“ ”نسبة إلى اسم عائلتها آل تراب“ من نشاط كان المأتم ”الحسينية“ هو الهم الأكبر والشاغل لها، وذلك بإحياء مناسبات أهل البيت . فقد كان مأتم ”ترابه“ رغم تواضعه ”حجما وبنيانا“ سابقا ”قبل ان يعاد بناءه قبل سنوات“ شعلة من النشاط، بل كان هو المأتم الرئيسي في حي ”أرض الجبل“، لذلك كان وقته هو وقت المجالس الرئيسية في العادة وهو فترة المساء.

ولأنه كان المأتم الأهم فقد استطاعت ”ترابه“ ان تربي جيلا من القارئات ”الملايات“ في هذا الحي، حيث تتلمذن على يديها على مدى عدة عقود إلى ان توقفت عن القراءة في السنوات الأخيرة بسبب ظروفها الصحية، إلا أنها بقيت مهتمة بشأن المأتم وترتيب شؤونه، وأيضا في علاقتها مع تلميذاتها الخطيبات من خلال مجلسها الليلي في المنزل، والذي كان بحق شعلة من النشاط والحركة، تأتيه نسوة ”الفريق“ للاستماع لحديثها، والاهم هو التشرف بالسلام عليها ومجالستها.

كانت بيوتنا في السابق خصوصا في الأحياء القديمة، أشبه بخلية النحل، عكس ما هو موجود حاليا في الإحياء الجديدة، بسبب طبيعة البناء وتطور الحياة، وهذا ما جعل منزل ”الفقيدة ام علي ترابه“ حيويا طوال الوقت والزمان، حيث يتوافد على زيارتها الناس ”نساء ورجالا“ في كل الأوقات، فهذا قريب لها يأتي للسلام عليها والسؤال عنها صباحا، وآخر يخرج من مسجد ”الفريق“ ظهرا ويمر للسلام عليها، وكذا في فترة العصر.

فضلا عما إذا كانت هناك فاتحة في نفس ”الفريق“، هنا يتحول منزل أم علي إلى مجلس آخر للفاتحة، حيث تخرج النسوة خصوصا القادمات من خارج الحي من تلك الفاتحة إلى منزل أم علي، وكأنه برتكول لا بد منه لكل من أتى إلى ”فريق أم علي ان يزورها“.

هذه العلاقة من أبناء ”الفريق“ وأيضا أقرباءها من بقية المناطق، جعلتها أشبه ”بقطب الرحى“ والملاذ لهم، فهي كانت تعرف كل من يأتي إليها، فتذكرهم بذكرياتها معهم أو مع عوائلهم إما بزيارة سابقة أو قصة أثناء سفر لها معهم. والاهم هو ما تشيعهم به عند مغادرتهم من الدعاء لهم بالتوفيق وقضاء حوائجهم، والاهم بالنسبة لها هو ألا يأتي أحد لها ويخرج خالي الوفاض. فهي وبحكم أنها صاحبة مأتم، كانت تعطي كل من يزورها حصة ”مقسوم“ من آخر ما قرأته إما مناسبة وفاة أو ذكرى مولد لزائريها.

تلك الطريقة الفريدة في الاستقبال هي ما جعلت الكثيرين يأنسون زيارتها، رغم بعد مسافة المكان أو بعد القرابة لبعضهم، الا أنهم لا يتركون زيارتها. وعندما يغيب احد عنها لفترة، تقوم بالسؤال عنه، بل وإيفاد احد من أولادها أو أحفادها للسؤال عنه والاطمئنان عليه.

أما علاقتها مع أولادها وأحفادها فهي من أعجب القصص وأجمل الذكريات، فمع أحفادها كانت لهم خير شاهد للمثل المعروف ”ما اعز من الولد إلا ولد الولد“، فمعزتهم عندها قاربت أو تجاوزت محبتها لأولادها، فلم تكن تنام قبل ان يعودوا جميعا للمنزل، وكانت تتابع كل صغيرة وكبيرة تخصهم، بل تتكيف مع رغباتهم، فما يحبوه هي تحبه وتقبل به.

فما أجمل ذلك الاسم ”أم علي ترابه“ وسلام الله عليها في الخالدين، ورحمها الله بواسع رحمته وألحقها مع من كانت في خدمتهم محمد واله الطاهرين.