آخر تحديث: 24 / 7 / 2017م - 9:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مقدمة لكتاب في التربية الإسلامية للشيخ رضي المهنا

حديث في التربية

الشيخ حسين المصطفى

للطفولة في بعدها الإنساني معناها الحيوي في عملية تأسيس شخصية الإنسان وتقويتها وتنميتها، وغرس البذور الطاهرة النقية فيها، وإعدادها إلى عنصر فاعل منتج؛ يمارس دوره في بناء الحياة على أساس ثابت.

ولذلك كان الاهتمام الإنساني الدائم بالأطفال؛ لكونهم المؤهَّلين لإحداث أي تغيير أو تثبيت دعائمه، والتأكيد على أنَّ العلم في الصغر والتربية خلاله، تعني التثبيت لكلِّ القيم والمفاهيم والأفكار التي يراد التأكيد عليها.

وكما أنَّ البناء يحتاج إلى هندسة وموازنة، وكما أنَّ النواة تفتقر إلى التربة أو الظروف المناسبة.. كذلك الطفل فإنه يحتاج إلى هندسة وموازنة بين ميوله وطاقاته، ويفتقر إلى تربة صالحة ينشأ فيها وتصقل مواهبه، من خلال الموارد الثقافية التي يتلقاها والتي يتطبع بها.

ولذلك اهتم الإسلام كدينٍ في تكوين الطفولة المنسجمة مع مبادئه، من خلال ترسيخ مجموعة القيم الأخلاقية والتربوية، التي تنفتح على الإنسان طفلاً وشاباً وشيخاً؛ للتخطيط لبناء جيل سليم نفسياً ودينياً وصحياً وتربوياً وأخلاقياً، وللعمل على إعداد الإنسان؛ لتحقيق معنى وجوده كخليفة على الأرض، ولبناء حضارة إنسانية على الصورة التي يريدها الله في الإنسان كفرد وكمجتمع وكدولة. فعلى الرغم من أنه خُلق سريع الحركة والانفعال لكنَّ لديه قابلية الوصول إلى التأني وما إلى ذلك..

إنَّ هدف التربية إعداد الإنسان المسؤول عن الكون والحياة في علاقته بالله وبالإنسان وبالحياة. وقد حمَّل الإسلام لبلوغ هذا الهدف على عاتق الأب والأم لكونهما يمثلان العنصر الأساسي في التربية وخاصة في المراحل الأولى للطفل، ولكنه لم يلغِ دور المجتمع بكل ما يشمل من مؤسسات تربوية واجتماعية، ووسائل إعلامية، ونوادٍ ثقافية ورياضية، ومراكز دينية وعبادية.. واعتبر أنَّ تأدية دور كلِّ واحد من هؤلاء يساهم في خلق المناخات التي تهيئ لنضوج الطفل، ولبناء ركائز شخصيته التي تتنامى في المستقبل.

وكذلك مهمة التربية أن تنمي معرفة الإنسان بالنشاط الذي ينسجم مع مستواه الفكري، وأن تزرع القيم والمفاهيم داخل شخصيته، بالمستوى الذي يتحول فيه الطفل إلى تجسيد حيٍّ لتلك القيم، ونقلها من عالم المفاهيم المجرَّدة إلى عالم الحركة، بحيث يتحول الإنسان نفسه إلى قيمة متجسدة، بدرجات متفاوتة تبعاً لتفاوت المؤهلات، وهذا ما يمكن أن نفهمه من حديث أخلاق الرسول ﷺ: ”كان خلقه القرآن“؛ أي أنه ﷺ كان قرآناً متحركاً.

وقد اعتمد الإسلام في أسلوبه التربوي على خطين:

الأول: التركيز على الجانب الوقائي، حيث منع من وقوع الطفل تحت التأثيرات السلبية التي قد تنشأ من نقاط ضعفه في طريقة تفكيره ونظرته للأمور أو من المجتمع الذي قد يعمل على مدِّ جذور انحرافه للأطفال.

والثاني: بناء الشخصية المتحركة والمتوازنة والتي تأخذ حاجتها في الحياة. وذلك من خلال التأكيد على أهمية كلِّ مرحلة من مراحل التربية للطفل، وهي: مرحلة اللعب، ومرحلة التأديب، ومرحلة المصاحبة،... واعتبر أنَّ التربية هي نتاج تكامل كلِّ المراحل، بعد إعطاء كلِّ مرحلة حقَّها الكامل..

وقد أكَّد الإسلام على أهمية إنتاج الولد الصالح لأنه سيشكل ذخيرة لأبويه عند الله؛ بحيث يمنح الله الغفران لأيٍّ منهما بمقدار مشاركته في ذلك؛ لأنَّ الولد الصالح هو الذي يمثل النموذج الصالح الذي يتحرك في خط الصلاح، وهو الذي يمثل استمرار الحياة لأهله حتى بعد مماتهم.

ومع أهمية التربية إلا أنه من الصعب أن نضع خطاً بيانياً واحداً لها؛ لأنَّ رسالة التربية هي أن نصلح ما يفسد من الطفل، وأن نُدخل القيم إلى وجدانه بحسب ما تستوعب إدراكاته وأحاسيسه، لذلك فإنَّ هذه العملية تحتاج إلى جهد وثقافة ووعي لما يقوم به المربِّي، وقد تحتاج - في بعض الأحيان - إلى ما يشبه العقاقير، بحيث يدور الأمر بين أن نترك الطفل نهباً للعلة التي تهدد شخصيته أو حياته أو أن نقسو عليه بطريقة مدروسة لتخليصه منها.

فنحن إذا ما أردنا أن ننشئ إنساناً سوياً، لا بد لنا أن نتعامل مع المفردات السلبية الموجودة داخل شخصيته بحسب حاجتها إلى الرفق أو إلى العنف، فلا يستعجل المربِّي في التعنيف لأنَّ مزاجه لا يصبر على متابعة حكمة التربية الهادفة، وعليه أن يستفيد من كلِّ التجارب في عملية التقويم.

إنَّنا كمربين علينا أن ندرك أنَّ التربية لا تنشأ في حالتنا المزاجية التي تختزن الميل إلى القسوة، ولكن من الممكن أن نستعمل الحزم من موقع الرحمة، فإننا نفرق بين الأسلوب الذي يختزن الحزم على اختلاف درجاته وبين القسوة، فالقسوة حالة نفسية تدفع الإنسان إلى الاعتداء على الآخرين واضطهادهم بينما الحزم هو خطة يراد من خلالها إصلاح ما يفسد من الإنسان أو تعميق قيمة ما في نفسه، وهو بذلك قد يحمل مصلحة للإنسان.

فيجب أن يكون هناك الوعي الكافي لدينا في الأخذ بالانضباط لتهذيب سلوك أطفالنا وإزالة مقاومتهم حيال ذلك، وهذا يتحقق إذا باشرنا برغبة تنبع من داخلنا في تبديل سلوكهم. فنحن ضد التسلط وضد القسوة؛ لأنَّ التسلط يمثل حالة قهر ولأنَّ القسوة تمثل حالة عدوان.. والأصل في الإسلام هو الرفق.

إنَّ أسعد الناس هم أولئك الذين نشأوا على التربية السليمة والصفات العالية منذ حداثة السن حتى أصبحت جزءاً من كيانهم. يقول الإمام علي في وصيته لولده الحسن : ”إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرْتُكَ بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك“. فالطفل يحمل في أعماقه صفحته البيضاء، والآباء والأمهات الذين يعون المسؤولية هم الذين يجعلون قلوب أطفالهم تتزين بالملكات الفاضلة والأخلاق الحميدة.

وهذا ما يحاوله الكتاب أن ينهض به فقد قام فضيلة الشيخ المربِّي الأستاذ رضي المهنَّا - حفظه الله - بتسليط الضوء على هذا الموضوع الحيوي من خلال تركيزه على مفاهيم الإسلام الذي أولى عناية قصوى بالطفل والطفولة، وجاء كتابه من عمق تجربته في البيت والمدرسة والمجتمع أرجو الله أن ينفع به وأن يوفقه للمزيد من الكتابات التربوية التي نحن بأمس الحاجة إليها، والله من وراء القصد.