آخر تحديث: 20 / 9 / 2017م - 3:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

إشكالية الجمود وإشكالية الاستلاب

تحديات أزمة العقلانية في الفكر الإسلامي

الكتاب: الإسلام والعقلانية.. ضد الجمود وضد الاستلاب.

الكاتب: زكي الميلاد.

الناشر: نشر مشترك منشورات ضفاف - بيروت، وأطياف - القطيف، وملتقى ابن المقرب - الدمام.

سنة النشر: 1435 هـ / 2014م.

الصفحات: 178 قياس الوسط.

- 1 -

يشهد موضوع العقل والعقلانية نقاشات ومقاربات كبيرة على مستوى المجالين العربي والإسلامي، والتداول البحثي لهذه العناوين في راهن العرب والمسلمين جاء ضمن سياق تحديات ثقافية وحضارية فرضها الغرب عبر اهتمام مؤسساته الفكرية والسياسية والدينية بالمنظومة الثقافية والحضارية للعرب والمسلمين منذ عدة قرون.

فهناك من يُرجع هذه القضية إلى عصر الخلافة بالأندلس، أو نسبة للرشدية التي ألهمت الغرب المسيحي خرائط النظم التغييرية والنهضة الحضارية، كل هذا يضعنا أمام مفارقات معرفية تاريخية معاصرة، جعلت من فكرة العقلانية محل إشكال وجدل لدى النخب العربية والإسلامية عبر الأزمنة «القديم، الحديث والمعاصر».

ولمعاينة هذه القضية، سنسلط الضوء على دراسة جديدة بعنوان: «الإسلام والعقلانية.. ضد الجمود وضد الاستلاب»، والتي تندرج ضمن حلقات المشروع البحثي للباحث والمفكر الإسلامي الأستاذ زكي الميلاد، الخاص بالمفاهيم الحديثة وماهيتها في الفكر الإسلامي المعاصر، وطرحها كثنائيات يهدف من خلال دراستها وسبر أغوارها إلى بعث حراك فكري ذاتي جديد في عمق المجال العربي والإسلامي.

تحتوي هذه الدراسة على مقدمة للمؤلف، وخمسة فصول، كل فصل يحتوي على عناوين فرعية تبحث بُعدًا من أبعاد الدراسة التي رسم معالمها الأستاذ الميلاد في مقدمة الكتاب، والتي تجيب في عمومها عن فروع إشكال البحث العام الذي صاغه المؤلف بتدرج، وفي محاولة منه لتبسيط وتقريب الهدف الاستراتيجي للدراسة، فالسؤال الشمولي أو الأولي والذي جاء بصيغة التعجب الاستفهامي الذي يتصوره القارئ للوهلة الأولى عند مصادفة العنوان: هل هناك عقلانية إسلامية في قبال العقلانية الغربية؟

بينما القيمة الأساسية لهذه الدراسة، أن مهندس خطتها الأستاذ الميلاد حاول من الفقرة الأولى لمقدمته، رفع اللبس عند القارئ العربي والمسلم بكل تعددياته الفكرية والثقافية، بأن رسم محددات الدوافع والمحفزات لبحث هذه الفكرة، كطريق ثالث في قبال طريقي الإفراط والتفريط.

إذ يرى الميلاد في مفتتح الدراسة أن فكرة العقلانية «شهدت تقلُّصًا وتراجعًا في مجتمعات المسلمين، وكادت تتحول إلى فكرة منبوذة وغير محبذة لا أقل عند شريحة من الناس؛ لأنها تحرض على نقد تقاليد ومواقف وسلوكيات اجتماعية وتربوية وثقافية، باتت مألوفة وراسخة ومتوارثة، لكنها ليست حميدة بالضرورة، وليست فعّالة في ميادين التنمية والنهضة والتقدم».

هذا عن التفريط بفكرة العقلانية لدى التيارات الجامدة، أما عن التيارات المحتكرة لفكرة العقلانية، يرى الميلاد في السياق ذاته أن الاتجاهات المغايرة حاولت مصادرة فكرة العقلانية «وإعلان تملكها وبطريقة حصرية، والتباهي بها والتفاخر، وسحبها من ساحة الاتجاهات الدينية، وذلك على خلفية أن الدين بطبعه وطبيعته يفرض قيودًا على العقل ولا يطلق له العنان، ويخشى منه ومن تفلُّته، وله سيرة طويلة في النزاع معه» - ص7 -.

من خلال هذا الطرح، يؤشر المؤلف إلى وجود أزمة معرفية في الواقع العربي والإسلامي بخصوص استحضار فكرة العقلانية - حتى لا أقول اكتشافها -، ولعل هذه الأزمة المعرفية ترجع بالأساس إلى طرح الأسئلة الكبيرة في الغرف الصغيرة، وليس في الهواء الطلق.

والمهم في الإشكاليات التي طرحها المؤلف أنها جاءت على شكل تراتبية لإثارة الاهتمام المعرفي لدى القارئ الباحث، حيث انطلق من ماهية فكرة العقلانية في الدين ونصوصه وطبيعة العلاقة بينهما؛ ليقف على إشكالية الواقع والخطاب والسلوك لدى عامة المسلمين بنسبة ما، وبنسبة أكبر وأخطر عند الخاصة حين تساءل: أين المثقفون عن هذا العقل وهذه العقلانية في الفكر الإسلامي؟

- 2 -

هذه الإشكالية صاغها الأستاذ الميلاد، ليقف بدقة في الفصل الأول على صور مأزق فكرة العقلانية في المجال الثقافي العربي المعاصر، أي إشكالية التعامل مع هذه الفكرة، حيث رصدها في اتجاهين متشابكين، اتجاه التنكُّر والإهمال لفكرة العقلانية من جهة، واتجاه التبعية والافتنان من جهة ثانية، بينما منشأ هذه الإشكالية في نظر المؤلف له علاقة بعاملين ذاتي مرتبط بالأفراد، وموضوعي متعلق بمعادلات التقدم والتراجع وفق التحليل الخلدوني.

والعامل الذاتي، مرتبط بطريقة التكوين الثقافي والذهني والنفسي لشريحة المثقفين في المجال الثقافي العربي المعاصر، هذه الشريحة التي انفتحت على الغرب وأوروبا «تعلُّمًا وتعليمًا، مطالعة وبحثًا، إمتاعًا ومؤانسة»، ومعظمهم ممن درس في الجامعات الغربية «أوروبا، أمريكا»، حيث اكتسبوا ثقافتهم على يد باحثين ومستشرقين، ومنهم من بقي هناك بدواعي التدريس أو بسبب ضيق هامش الحريات في البلاد العربية والإسلامية، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، قطع هؤلاء المثقفون الصلة بالثقافة الإسلامية، بين من انسلخ عنها، وانقلب عليها، ومن جهل بها، كل ذلك يستوضحه المؤلف، من خلال مكاشفات البعض، التي عكست مدى ارتباطهم بالثقافة الأوروبية، وانقطاعهم عن الثقافة العربية والإسلامية في زمن ما، أمثال الدكتور زكي نجيب محمود في مصر، والدكتور محمد الطالبي في تونس.

ثم يعرض الميلاد في هذا الفصل نفسه، من خلال عنوان: العقلانية والثقافة الأوروبية، ذرائع من اتصلوا بالعقلانية في الثقافة الأوروبية، لإكساب موقفهم تقبُّلًا ومشروعية لديهم، وذلك بالاستناد إلى ثلاثة مبررات هي:

أولًا: أن فكرة العقلانية تمثل العقل الكوني، وفي هذا النطاق يشير المؤلف لأطروحة الدكتور المغربي عبد الإله بلقزيز بخصوص الفرق بين العقل الديني في الثقافة الإسلامية والعقل الكوني في الثقافة الأوروبية، وانتصاره للأخير ممتدحًا المثقفين العرب الذين انتظموا في العقل الكوني [1] 

ثانيًا: أن فكرة العقلانية تمثل العقل الحديث، أي العقل الذي تشكَّل في الأزمنة الحديثة، وانبهار هؤلاء المثقفين بسحر كلمة حديث في قبال كلمة قديم!

ثالثًا: اعتبار العقلانية ابتكارًا غربيًّا حديثًا، أشار إلى ذلك الناقد اللبناني علي حرب في كتابه «الماهية والعلاقة.. نحو منطق تحويلي».

بعد هذا العرض، انتقل المؤلف لمناقشة جانب آخر في علاقة المثقفين بفكرة العقلانية، وذلك ضمن عنوان: «العقلانية وموجة النقد»، حيث نبَّه إلى أن هذه العقلانية التي انبهر ودافع عنها وتبنَّاها هؤلاء المثقفون داخل المجال العربي، تعرَّضت إلى موجة نقد عنيفة في داخل معقلها الغربي وصل إلى درجة الشك، وخاصة ذلك النقد الذي جاء من تيار ما بعد الحداثة «ميشال فوكو، جاك دريدا، جيل دولوز وآخرين»، ما وضع المثقفين العرب - المنتظمين تحت مظلة العقلانية والفكر الحداثي الغربي - في حرج وتيه، ولسان حالهم: هل العقلانية بحاجة إلى نقد وهي منبع النقد؟!

ثم يعرج الأستاذ الميلاد لتحديد مواقف المثقفين العرب في ظل هذه الموجة النقدية الغربية للعقلانية، ويرى أنها تحددت وتفاوتت ما بين المواقف الآتية:

أولًا: هناك من فضَّل البقاء في أحضان مذهب العقلانية الغربية، وذلك بالنظر لطبيعة اللحظة التاريخية التي يمر بها الغرب، دافع عن هذا الموقف الباحث السوري هاشم صالح عند مراجعته لكتاب بيير فوجيرولاس «تحولات الفلسفة».

ثانيًا: بخلاف الموقف السابق وضمن السياق ذاته، هناك من يرى أنه لا ضرر على الثقافة العربية من الانفتاح على موجة نقد العقلانية في الخطاب الغربي، وأبرز القائلين بهذا الرأي الكاتب علي حرب والدكتور هشام جعيط.

ثالثًا: ما بين الموافقة والمخالفة هناك من يرى أن الإشكالية في المجال العربي ليس في رفض أو قبول نقد العقلانية الغربية، وإنما هي في أصل العلاقة بالعقلانية، ويذهب إلى هذا الموقف الدكتور عبد الإله بلقزيز، وهنا نلحظ مشاطرة المؤلف الرأي للدكتور بلقزيز مستشكلًا: كيف نبتكر عقلانيتنا؟

في الفقرة التالية انتقل المؤلف للحديث عن وجه آخر لإشكالية العلاقة مع فكرة العقلانية، يتمثل في محاولة التأسيس للإجابة عن الإشكال الذي طرحه في خاتمة الفقرة السابقة، تحت عنوان: فكرة العقلانية ومنابعها في الإسلام والثقافة الإسلامية.

وعلى النهج ذاته يسلط المؤلف الضوء على المواقف تجاه هذه الإشكالية وخلفياتها وأبعادها، والتي يمكننا التعبير عنها بالآتي:

1 - رؤية فلسفية تفاؤلية «د. طه عبد الرحمن».

2 - رؤية فلسفية تشاؤمية «عبد الكريم أبو حلاوة».

3 - رؤية فلسفية توافقية «د. عبد الإله بلقزيز».

4 - رؤية فلسفية اندماجية «د. عبد الله العروي» وفق مقولته: الانتظام فيما هو متاح للبشرية جمعاء.

بعد ذلك حاول المؤلف مناقشة دعوة الدكتور عبدالله العروي إلى الانخراط في العقلانية الأوروبية، من خلال مناقشة ما قام به الدكتور العروي من عرض ونقد لابن خلدون ومحمد عبده وانتصاره لابن رشد.

الفقرة الأخيرة من الفصل الأول اعتبرها الميلاد، مقدمة للفصل الثاني حيث خصّصها لعرض الرؤى النقدية لفكرة العقلانية في ساحة الفكر العربي المعاصر، وذلك بالاستناد إلى آراء أربعة نقاد عرب هم: عبدالإله بلقزيز، علي حرب، طه عبدالرحمن، هشام جعيط.

والملفت للانتباه في هذه الفقرة، أن المؤلف لم يتطرق من قبل في الفقرات السابقة للضبابية في مواقف الدكتور عبدالإله بلقزيز، تاركًا ذلك لفقرة النقد، وهذا يعتبر من الموضوعية والإنصاف في مقاربة المواقف الفكرية وتمحيصها.

- 3 -

في الفصل الثاني، تتسع دائرة إشكالية العلاقة بفكرة العقلانية وتنتقل من المجال العربي المعاصر إلى المجال الإسلامي المعاصر، ودون تقديم وبأسلوب الصدمة، يلج المؤلف هذا الفصل بفقرة أولى خصصها لموقف الخشية من العقل، ناقش فيه الجذور الفكرية والتاريخية، حيث تطرق له عبر ثلاث بوابات فكرية وتاريخية هي:

1 - تقدم وتراجع المعتزلة في القرن الثاني الهجري.

2 - أزمة إغلاق باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري.

3 - تقدم الغزالي وتراجع ابن رشد في القرن السادس الهجري.

ومن خلال هذه البوابات استعرض المؤلف بامتياز المواقف الكامنة وراء تشكُّل تصور مريب عن العقلانية في المجال الإسلامي المعاصر، وبروز الخصومات المفتعلة بين العقل والدين، ليختم ذلك العرض كله بتمنيات ثلاث مقابلة لما أسماه الدكتور محمد عابد الجابري تكريس وضعية العقل المستقيل.

بعد ذلك في الفقرة الثانية من الفصل الثاني، يقرّب المؤلف الصورة للقارئ الباحث عبر عرض صور وتجليات ظاهرة الخشية من العقل، والتي اختزلها في نموذج كتاب شيخ الأزهر الدكتور عبدالحليم محمود «الإسلام والعقل» الذي انتصر فيه للغزالي وحمل على ابن رشد، حيث اعتبر الدكتور عبدالحليم محمود الفلاسفة العقليين الإلهيين خلفاء إبليس، وفي هذا العرض ذاته يشير المؤلف لموقف الكاتب البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري الذي شنَّ هجومًا لاذعًا على الشيخ عبد الحليم محمود وموقفه تجاه العقل، وبالنسق نفسه لم يعلّق المؤلف على موقف الدكتور عبدالحليم محمود في كتابه «الإسلام والعقل».

وانتقل إلى الفقرة الثالثة بعنوان: «الخشية من العقل والتراجع الحضاري»، والذي يعكس العلاقة الطردية بين التراجع أو التقدم الحضاري وتغيّر الموقف تجاه العقل والعقلانية، مستشهدًا بأقوال ثلاثة مفكرين هم: الدكتور محمد عابد الجابري، الدكتور محمد عمارة، والدكتور عبدالمتعال الصعيدي.

في حين أن الفقرة الرابعة خصصها المؤلف لأنصار العقل والعقلانية، حيث عرض لنموذج الشيخ محمد عبده من خلال آراء كل من الدكتور محمد عمارة، والدكتور إبراهيم مدكور، والدكتور عبد الله العروي.

- 4 -

في هذا الفصل المخصص لخطاب العقل في القرآن، نهج المؤلف نهجًا خاصًّا حيث انطلق في الفقرة الأولى من تفرّد هذا الخطاب من خلال عرض ثلاث وجهات نظر فكرية أشار لها عباس محمود العقاد، والدكتور طه جابر العلواني، والدكتور محمد الطالبي، ليعرج نحو الفقرة الثانية إلى المفارقات المتغايرة في عدة نطاقات: الجمهور، الفكر الإسلامي المعاصر، الفكر العربي المعاصر.

ثم يناقش في الفقرة الثالثة أهمية الصيغة الفعلية في خطاب العقل في القرآن بين مقلّ ورافع، ليعكف في الفقرات الثلاث التالية على دراسة نموذجين قللوا من أهمية الصيغة الفعلية في خطاب العقل في القرآن، وهما: أركون والجابري، ونموذج رفع من أهمية هذه الصيغة مثال العقاد. وفي نظر المؤلف استطاع العقاد أن يوسّع أفق خطاب العقل والعقلانية في القرآن مقابل ضيق الأفق لدى كل من أركون والجابري.

- 5 -

هذا الفصل جعله المؤلف عرضًا مفصّلًا لكل ما سبق من فصول، حيث تطرق لنظرية ختم النبوة عند المفكر الإسلامي الدكتور محمد إقبال، التي حاول عبرها تبيان دور العقل في الإسلام من خلال حقل فكري تجريبي خاض غماره في كتابه: «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، هذه التجربة العقلانية أثارت زوبعة فكرية عاتية في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر في إيران، بعدما روج لها وتضامن معها الناقد الإيراني علي شريعتي.

- 6 -

الفصل الخامس والأخير أراده المؤلف للاقتراب من حقل من حقول المنظومة المعرفية الإسلامية المتمثل في علم أصول الفقه، لكنه اكتفى بالتجربة الإمامية التي جعلت من العقل دليلًا رابعًا إلى جانب الكتاب والسنة والاجماع.

كما تطرق المؤلف لمسألة تحتاج إلى بحث أوسع، والمتمثلة في مدى علاقة أصول الفقه بالعقلانية؟ أو ماذا عن فكرة العقلانية في ساحة أصول الفقه؟

والمهم في هذا الفصل تتبع المؤلف للمقولات العقلية في التراث الإمامي، ولم يجدها خارجة عن مجال أصول الفقه، كما أشار إلى عدم اهتمام علماء هذه المدرسة الإسلامية ببحث فكرة العقلانية في أصول الفقه أو غيرها من حقول المعرفة الإسلامية في تراثهم.

- 7 -

في الختام ومن خلال هذه الجولة في فصول هذه البحث المهم، يمكن رؤية حزمة من الإشكاليات المهمة في تحقيق الخطوة الإصلاحية والتجديدية الاستراتيجية في الفكر الإسلامي المعاصر، فالمؤلف استطاع إلى حد ما، فتح بعض الملفات غير الإشكالية المتعلقة بالعقلانية في المجالين العربي والإسلامي المعاصرين، وتسليط الضوء على ظواهر خطيرة من قبيل الخشية من العقل.

كما أضاف وأغنى بحثه بدراسة الخطاب القرآني حول العقلانية، ومدى أهمية ذلك في التأسيس لفكرة العقلانية الإسلامية الرصينة، مع اعتماده على نموذج نظرية ختم النبوة وصولًا إلى مقاربة علاقة العقلانية بساحة الفكر الإسلامي عبر حقل أصول الفقه لدى الإمامية.

هذه المقاربة رأيتها نوعًا ما بحاجة لإعادة صياغة الفهم للعقلانية وعلاقتها بحقول المعرفة الإسلامية؛ لأن إشكالية مقولة «العقليات الإسلامية» كما أسماها المفكر الإسلامي اللبناني الشيخ محمد جواد مغنية، عبر تاريخ الفكر الإسلامي بأزمنته الثلاثة، تتحدد بطبيعة الحال ضمن حجم الأثر السلبي المترتب على ضعف حقول الفكر المقارن؛ لذلك فمشكلة تعطيل فكرة العقلانية الإسلامية ذاتها، سوف تبقى قائمة، لأن الفكر الإسلامي المعاصر يحتاج للمعرفة الشمولية الموضوعية للإشكاليات وليس للمعرفة الوضعية الذاتية.

بتعبير آخر: إننا بحاجة للدراسات الجماعية المتنوعة والفعّالة مثل تلك التي عرفها الأزهر الشريف في حقبة ما خلال القرن الماضي كتجربة رائدة انعكست في مقالات مجلة «رسالة الإسلام» لكنها أجهضت بسرعة، هذا النهج من شأنه أن يكون عصيًّا على التعطيل عبر التمترس وراء شروط العقلانية الإسلامية النابعة من الفكر الإسلامي المقارن الذي نجده حاضرًا بقوة في العديد من دراسات وأبحاث المؤلف.

من هذا المنظور يمكن القول: إن دراسة أزمة العقلانية في الفكر الإسلامي المعاصر، التي تم تداولها بحكمة وانضباط من قبل الأستاذ زكي الميلاد في كتابه هذا، تفتح مرحلة جديدة في الفكر الإسلامي المعاصر، لم يعد بمقدور أهل الفكر والمعرفة في المجال العربي والإسلامي السماح لأنفسهم بالابتعاد عن أمواج العقلانية؛ لأن سياسة الحداثة أو ما بعدها لا تعرف الخصوصيات والانغلاق، لأن مخاطر الاستلاب التي تعصف بجغرافيتنا الثقافية بشكل فعلي منذ قرون، لا يمكن التخفيف من أعبائها سوى عبر الإجابة عن إشكال: ما الذي يجب فعله ولم ينجز حتى الآن فيما يتعلق بالمسألة الحضارية؟!

[1]  في هذا الإطار لمناقشة أطروحة عبد الإله بلقزيز يمكن العودة إلى الكتابات النقدية للحداثة التي يقول عنها ألان تورين: «من المتعذر أن نفصل الحداثة عن العقلانية»، والحداثة حسب تعبير ميرلو بونتي «كما مورست في الغرب هي كونية بخط مائل». وعند تحليل العلاقة بين العقلانية والكونية نجدها عقلانية مبتورة عن القيم، وتستبطن التحكّم وتهدف لتدمير الخصوصيات الثقافية، وعليه من منظور الفيلسوف اللاديني إدغار موران «العقلانية كمذهب هي بحاجة لترميم».

*مجلة الكلمة، العدد 94، شتاء 2017م / 1483 هـ
كاتب وباحث من الجزائر