آخر تحديث: 22 / 9 / 2017م - 1:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

اقتصاد رديف

ناصر موسى الحسين صحيفة الوسيل القطرية

مما لا شك فيه أن الطبيعة المجتمعية والموارد الاقتصادية والبيئة الثقافية تساهم مجتمعة في بلورة الأشكال الاقتصادية للمجتمعات والدول، وقد تعيد بعض الدول هيكلة اقتصاداتها لتواكب التطورات في الموارد والتغيرات الاجتماعية والتحولات الاقتصادية الداخلية والخارجية. كما تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى ظهور برامج حكومية واجتماعية وفردية مبتكرة لمواجهة قسوة الظروف والتغلب على الآثار السلبية للأوضاع الاقتصادية المتردية.

ومن بين الآثار الخطيرة التي تنجم عن الأزمات الاقتصادية ارتفاع أرقام العاطلين فهي من المشاكل التي تلامس الجوانب الأمنية والاجتماعية والصحية، لذا تصنّفها الحكومات ضمن مخاطر الدرجة الأولى، فتفرض حلولًا غير تقليدية، فيما تسعى المجتمعات إلى ابتكار أشكال جديدة من النشاطات الاقتصادية للمساهمة في الحل. وتعد النشاطات الاقتصادية الاجتماعية داعمة للجهود الحكومية في مواجهة الظروف، وتساعد في تحقيق الأمن الاقتصادي المجتمعي، وتوفر برامج رديفة وليست بديلة لتشغيل القوى العاملة التي وجدت نفسها - نتيجة الأزمة - خارج الوظيفة. يقع الاقتصاد المجتمعي في منطقة وسط بين القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية، فهي برامج تعتمد على الأسس التجارية والاقتصادية الربحية من أجل دعم المجتمع اقتصاديا، وقد يطلق عليه البعض «القطاع الثالث».

برز هذا النشاط بعد الاقتراح الذي قدمه الألمانيان «ألفريد أرماك» و«لودفيغ إيرهارت» حول السوق الاجتماعي وانتشر في ألمانيا والنمسا. ويراهن الخبراء على قدرة المجتمعات على مواجهة الظروف الاقتصادية الخانقة وتفوقها في ذلك على الحكومات، وأنها أسرع في ابتكار وتنفيذ الحلول. وتذهب الباحثة «كريستيان مارغريت» إلى أن «الحكومات تجد نفسها مجبرة على تقبل الأنشطة المجتمعية الجديدة، فللضرورة والثقافة قوة تفوق سطوة الحكومات، ويمكنهما استحداث سلوكيات اجتماعية واقتصادية تصبح بمرور الوقت أمورًا عادية».

هناك صورتان تبيّنان وجه الاقتصاد المجتمعي وتختزلان الشروحات حوله. الأولى: حالة ألمانيا بعد توقف الحرب العالمية الثانية حيث خرجت منها مدمرة، فطبّقت فكرة «لودفيج ايرهار» التي تقوم على المجتمع المدني، فتأسست شركات مساهمة ضمن اقتصاد السوق الاجتماعي، فأعادت الحياة لبعض الصناعات المتوقفة وأنشأت صناعات أخرى، شملت مرسيدس بنز وفولكس واجن وباير للأدوية وسيمنز، كما أنتج هذا السوق الاجتماعي الطاقة الكهربائية. وكانت شركات السيارات الألمانية ترتكز على المصانع الصغيرة والمتوسطة لإنتاج كثير من القطع التي تحتاجها، مثل الزجاج وجلود الكراسي والزيوت والإطارات. الصورة الثانية: الجمعيات التعاونية التي تميز بها المجتمع الكويتي أكثر من غيره من المجتمعات الخليجية، فهي مؤسسات اقتصادية مجتمعية تقوم على مساهمة عدد كبير من أبناء المجتمع بحصص مالية، وتلاقي دعمًا أهليًا من المساهمين وغيرهم، وقد عرّفتها موسوعة ويكيبيديا بأنها «جمعية مستقلة من الناس الذين يتعاونون طوعًا من أجل المنفعة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتبادلة. التعاون يشمل منظمات المجتمع غير الربحية والشركات التي يملكها ويديرها الأشخاص الذين يستخدمون خدماتها «التعاونية الاستهلاكية» أو من قبل الناس الذين يعملون هناك «تعاونية عامل» أو من قبل الناس الذين يعيشون هناك «تعاونية الإسكان»».

الخلاصة هي أننا نمر بأزمة اقتصادية سببها الأول اعتمادنا على النفط، وفي ظروف الأزمات ينبغي أن تمارس المجتمعات دورها في ابتكار أساليب لحماية نفسها من آثار الأزمة، ومن بين ذلك تأسيس البرامج الاقتصادية التي تقوم على استخدام الموارد البشرية المحلية، وتشجيع المشاريع الصناعية الصغيرة، وإعادة تدوير المنتجات البسيطة، واستخدام أسلوب المقايضة في المنتجات والموارد، والتبادل المجاني للسلع، فهذه المشاريع قابلة للتمدد والتوسع لتتحول إلى برامج اقتصادية كبيرة. صحيح أن هناك تحديات قد تواجه مثل هذه البرامج لكنها في النهاية لن تكون أسوأ من تبعات انخفاض أسعار النفط، كما أنها خيار إستراتيجي ينبغي من أجله قبول التحدي، كما يستحق الدعم الحكومي لإنجاحه.