آخر تحديث: 27 / 5 / 2017م - 4:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

في استقبال ليلة النصف من شعبان

الشيخ حسين المصطفى

نعيش بعد أيام مناسبتين مهمتين:

المناسبة الأولى: ليلة النصف من شعبان:

وهي من الليالي المباركة، وهي جزء من شهر مبارك ”تتشعب فيه الخيرات“، ولذلك كان رسول الله ﷺ إذا أقبل شهر شعبان يقول لأصحابه: ”قولوا الحمد لله رب العالمين على ما فضلكم به من شهر شعبان“.

ولم يكن النبي ﷺ ”يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان، يصل به رمضان“.

وروى البخاري ومسلم عن السيدة عائشة قالت: ”كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، يَصُومُ شَعْبَانَ إلا قَلِيلاً“.

وكما كان لشهر رمضان ليلة القدر، كان لشهر شعبان ليلة النصف من شعبان، وهي الليلة التي يتجلى الله فيها على خلقه بعموم مغفرته وشمول رحمته فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويجيب دعاء السائلين ويفرج عن المكروبين.. و”هي أفضل الليالي بعد ليلة القدر“.

وفي روايات السنة إفاضة في بركة هذه الليلة:

1. عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: ”يَطَّلِعُ اللهُ إلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ“ «صحيح ابن حبان: ج 12 ص 481 ح 5665، وسنن ابن ماجة: ج 1 ص 445 ح 1390، ومسند أحمد: ج 2 ص 176 ح 6642، وموارد الظمآن: ج 1 ص 486 ح 198، ومسند إسحاق بن راهويه: ج 3 ص 981 ح 1702، ومصنف عبد الرزاق: ج 4 ص 316 ح 7923».

والمشاحن هو الذي بينه وبين أخيه عداوة، أو هو الذي يبعث الشقاق ويوقد نار العداوة بين المتحابين. قال ابن الأثير في النهاية: ”المشاحن المعادي، والشحناء العداوة“ «النهاية في غريب الحديث والأثر: ج 2 ص 449».

2. عن عروة، عن عائشة قالت: فَقَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجْتُ فَإِذَا هُوَ بِالبَقِيعِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ”أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟“، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ ظَنَنْت أَنَّك أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: ”إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ“ «سنن الترمذي: ج 3 ص 116 ح 739، وسنن ابن ماجة: ج 1 ص 444 ح 1389، ومسند أحمد: ج 6 ص 238 ح 26060، ومجمع الزوائد: ج 8 ص 65 «بأسانيد متعددة»، ومصباح الزجاجة: ج 2 ص 10 ح 492، ومسند ابن راهويه: ج 2 ص 236 - 237 ح 850، ومصنف عبد الرزاق: ج 6 ص 108 ح 29858».

3. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ”يَتَنَزَّلُ اللهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ الليْلِ الآخِرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ“ «صحيح البخاري، وأنظر السنة، لابن عاصم: رقك 492 - 508».

4. عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: ”إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرُ لَهُ، أَلا مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقُهُ، أَلا مُبْتَلًى فَأُعَافِيهِ، أَلا كَذَا... أَلا كَذَا... حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ“ «سنن ابن ماجة: ج 1 ص 444 ح 1388، ومصباح الزجاجة: ج 2 ص 10 ح 491».

وبالجملة فإنّه ”قد ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث مجموعها يدل على أنّ لها أصلاً“ «تحفة الأحوذي: ج 3 ص 365».

وفي روايات الشيعة:

1. عن زرارة قال: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ : مَا تَقُولُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ”يَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا مِنْ خَلْقِهِ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ مِعْزَى كَلْبٍ، وَيُنْزِلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَلائِكَتَهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِلَى الأَرْضِ بِمَكَّةَ“ «من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 58 ح 253».

2. عن جعفر بن محمد الصادق قال: سُئِلَ البَاقِرُ عَنْ فَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؟ فَقَالَ: هِيَ أَفْضَلُ لَيْلَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ القَدْرِ، فِيهَا يَمْنَحُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ فَضْلَهُ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ بِمَنِّهِ،، فَاجْتَهِدُوا فِي القُرْبَةِ إِلَى اللهِ فِيهَا، فَإِنَّهَا لَيْلَةٌ آلَى اللهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لا يَرُدَّ سَائِلاً لَهُ فِيهَا مَا لَمْ يَسْال مَعْصِيَةً، وَإِنَّهَا الليْلَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ لَنَا أَهْلَ البَيْتِ بِإِزَاءِ مَا جَعَلَ لَيْلَةَ القَدْرِ لِنَبِيِّنَا 2، فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِيهَا مِائَةَ مَرَّةٍ، وَحَمِدَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَكَبَّرَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ مَعَاصِيهِ، وَقَضَى لَهُ حَوَائِجَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَا التَمَسَهُ مِنْهُ، وَمَا عَلِمَ حَاجَتَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَمِسْهُ مِنْهُ كَرَماً مِنْهُ تَعَالَى وَتَفَضُّلاً عَلَى عِبَادِهِ" «أمالي الطوسي: ج 1 ص 302، ومصباح المتهجد: ص 762».

إذن إنها من ليالي العبادة والتهجد، ويُستحب فيها التفرّغ لعبادة الله تعالى، وإن كانت مسألة العبادة لا تنحصر في مناسبة معيّنة، بل إنّ الله تعالى أرادنا أن ندعوه في كل وقت، في الصباح والمساء، في حال الجلوس والحركة، في السرّ والعلن؛ لأنّ الله سبحانه يريد من الإنسان المؤمن أن يكون بكله معه، عندما يتألم ويفرح ويُبتلى بمشكلة أو يواجه مصيبة.

المناسبة الثانية: ولادة الإمام المهدي :

من عظيم بركات هذه الليلة أنّها مولد إمامنا المهدي . وقد ولد فيها عند السحر سنة 255 هـ في سر من رأى.

وجاء في قصيدة جالية الكدر لجعفر بن الحسن البرزنجي الشافعي، يصدح بها أهل الحجاز في مناسباتهم، ذكر مولانا المهدي:

وكذا بفاطمةَ التي فَضُلَتْ على

كل النّسَاءِ وقلّدَتْ عِقدَ الفَخر

أيضاً وبالحَسَنين سِبطي سيِّد ال

كونين من بكسائِهِ لهُما ستر

وبعمه العباسِ ثمَّ بنجلِهِ ال

حَبر عبد الله نِبراس الفِكر

وكذا بكل الآل والأصحاب وال

أزواجِ والعمّات ربَّاتِ الخَفر

وعليٌّ السَّجَّادِ مِصباحِ الدُّجَى

وبباقرٍ مَن للمعالمِ قدْ بقر

وبصَادقٍ وبكاظمٍ ثمَّ الرِّضَا

مَن للمَساجد والمدارس قد عَمر

والأمْجَدَين نقِيهُم وتقِيهُم

وبعسكري أئِمَّة اثني عشر

وبختْمِهم نجْلَ الرَّسُول مُحَمد

مَهدِينَا الآتِي الإمَام المُنتظَر

ونحن نؤمن بالإمام المهدي ؛ لأنّ رسول الله ﷺ - مما رواه السنّة والشيعة معاً - تحدث عن أنه ”لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، [وعند السنة:“ واسم أبيه اسم أبي ”] يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً“ «المنار المنيف: ج 1 ص 143 وما بعدها».

بل إنّ روايات النبي ﷺ في خروج الإمام المهدي متواترة، وقد عدّ بعض العلماء من المؤلفين الروايات التي وردت في ذلك، فوصل العدد إلى ستة آلاف رواية.

أيها الأحبة..

إنّ ظهور الإمام المهدي هو ظهور لسيادة الحب والمودة والوئام بين البشر كافة، واندثار للخلافات المذهبية ومظاهر الفرقة بين الشعوب الإسلامية، وانطفاء لنار الفتنةة الطائفية، وأن يعيش العالم أجمع في سلام وأمان.

إنَّ هذه المناسبات الإسلامية ليست مناسبات نقتصر فيها على التذكر فقط، بل لا بدَّ أن نجعل منها وسيلة لتربية أنفسنا وتطويرها وتنميتها وتزكيتها، لنكون على الصورة التي يحبها الله ورسوله، حتى نحصل على رضى الله في ذلك.

نعم، علينا أن نتذكر قول النبي ﷺ: ”يَطَّلِعُ اللهُ إلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ“.

وهل هناك أعظم مشاحنة مما يصيبه المسلم في عداوة أخيه المسلم، ونحن نرى شعوب العالم العربي الإسلامي تسقط في مستنقعات الطائفية البغيضة، بينما شعوب الغرب المتقدم تتحدث باستفاضة عن العَوْلَمة والقرية الكونية والمنجزات الحضارية. فالضلال الذي ينشأ من وراء التفسيرات الخاطئة أعظم من الضلال الذي ينشأ من الكذب الصريح.

أيها المسلمون إنّ الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة من أكبر حقائق هذا الوجود، فلا تستبدلوها بآلات الموت والدمار.

إنّ المصطفى ﷺ يعلمنا أن نعود إلى صوابنا وعقلنا وصفائنا وهذه من بركات هذه الليلة المباركة.