آخر تحديث: 23 / 7 / 2017م - 11:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أرقام مخفية

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

قبل شهور قليلة، ربما بعد فورة القلق المستحدث بشأن الهويات في الولايات المتحدة، أخرجت السينما الأميركية فيلما مهما وملهما ويتمتع برؤية فلسفية عالية، هو فيلم «أرقام مخفية»، الذي يروي سيرة ثلاث سيدات أميركيات من أصول أفريقية، حققن نبوغا عاليا في الرياضيات، الأمر الذي جعلهن في مقدمة العقول التي اعتمدت عليها وكالة ناسا للفضاء بداية الستينات، وكانت حساباتهن الدقيقة وراء نجاح الإطلاق التاريخي لرائد الفضاء جون جلين، ليصبح أول أميركي يدور في مدار الأرض عام 1960.

تمكنت النساء الثلاث، أن يقدمن رؤية مختلفة للنضال المرير ضد العنصرية والتهميش والقهر الاجتماعي، كانت الأفلام الأخرى تصور نضالاً سلمياً أو عنيفاً ضد التمييز، أو حتى مواجهته بالخنوع، لكن هذا الفيلم يمنح الفئات أو الأقليات المهمشة طاقة مختلفة لكسر عزلتها: ليس بالثورة والتخريب وممارسة العنف، وليس بالانعزال.. بل عبر صناعة التميز والتفوق كسبيل لكسر العزلة وتحطيم الإقصاء.

البنات الثلاث: عالمة الرياضيات كاثرين جونسون وزميلتها دوروثي فون، وماري جاكسون، لم يندبن حظهن لأن المجتمع قهرهن، ولَم يخرجن للشارع يهتفن ويكسرن، انخرطن في وكالة الفضاء الأميركية بفضل عبقريتهن في أدق التخصصات العلمية وهو الرياضيات، وتفوقن على الجميع، هذا التفوق لم يعطهن الحق في المساواة في المناصب القيادية ولا حتى في استخدام المرافق العامة المخصصة للبيض.. في لحظة تطل «كاثرين» التي تضطر لقطع مسافة 800 متر للوصول لدورة مياه «حمام» خاصة بالملونين، لأن «ناسا» وقتها كانت تمنع الموظفين السود من دخول حمامات زملائهم البيض، أو حتى استخدام كاسات القهوة الخاصة بهم.. فالوقت الذي تقضيه كاثرين لقضاء حاجتها، تحتاجه «ناسا».. تصرخ كاثرين محدثة صدمة في الوجدان: ماذا أفعل إذا كنت مضطرة لقطع هذه المسافة للوصول لحمامات الملونين في الجهة الغربية.. هنا لا يمكنني أن أفعل ذلك..

المعاناة لا تقف عند حد.. تميز كاثرين جلب لها الشكوك بأنها ربما تكون جاسوسة للاتحاد السوفياتي، التخوين يحطم كبرياء مجتمع برمته، ويدمر ثقته بنفسه، ويحفر أخدودا من العزلة حوله، ولكن كاثرين واجهته بمزيد من الثقة والتحدي والإصرار.. كانت إيجابية بقدر ما كان الآخرون يعاملونها بانتهازية، حين تنجح فيما فشلوا فيه من وضع الحسابات كانوا يصفقون لها، وفجأة يديرون ظهرهم لها مع أول بارقة أمل لوجود بديل يملأ مكانها «الكومبيوتر»، هي وحدها عليها أن تدفع فواتير الهيكلة والتقشف، ومع ذلك حين يتوقف أول وأهم إنجاز وطني وهو إرسال رائد فضاء ليصبح أول أميركي يدور في مدار الأرض تنطلق كاثرين لترمي عن كاهلها كل أعباء التهميش والتمييز وتؤدي واجبها الوطني الذي جعل بلادها في الصف الأول في علوم الفضاء، دون أن تنظر للوراء أو تجري جردة حساب قائمة على الانتقام والتشفي.

لذلك فهذا الفيلم يقدم مفهوماً مختلفاً لمواجهة الصراع الاجتماعي، الطبقي والعنصري والطائفي، هذا المفهوم يقوم أولاً على التميز والتفوق من أجل منع الذات والمجتمع من الخنوع ومن السقوط في العزلة.. التي هي إحدى البيئات الخصبة للكراهية والانغلاق والعنف..

ويقوم ثانياً على السلوك الإيجابي المتحضر المؤمن بحق الشراكة وواجب الجماعة الوطنية فوق العصبيات والحزازات وندوب الذاكرة..