آخر تحديث: 24 / 11 / 2017م - 8:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العقيدة المهدوية وجدانية ‎

يتصور البعض أن الإيمان والقناعة بوجود المخلص والمصلح العظيم هي عقيدة ذات طابع ديني صرف، تستند إلى تلك الأدلة النقلية المتواترة والتي ترشد إلى وجود ذاك الرجل العظيم، والذي يكون على يديه صلاح العباد وأوبتهم إلى حوزة الرشد العقلي والاستقامة السلوكية، بعد أن ساد بينهم بشكل فظيع تفلت الأهواء والاتباع الأعمى للنزوات والشهوات، وبعد أن غاب الوازع الإيماني ويقظة الضمير لمآلات ونتائج تقحم المنكرات ومقارفة الموبقات وانتشارها كانتشار النار في الهشيم، وتسيد الانحلال الأخلاقي والانحطاط السلوكي وغلبته على تصرف الناس.

بل الحقيقة أن العقيدة المهدوية من الأمور الفطرية التي جبلت عليها النفوس وآمنت بها، فعلى الرغم من تكاثر الأطياف الدينية والفلسفات الفكرية والرؤى الكلامية فإن الاعتقاد بوجود نهاية لهذا الانحدار والتسافل والتخلي عن القيم هو إجماع مشترك بين الناس، وذلك على يدي المخلص الذي يقلب الأوضاع من الدمار والفساد إلى انبساط العدالة الاجتماعية والتعقل الإنساني والعودة إلى حوزة الورع والتعالي على شهوات النفس المذلة، مع اختلاف - طبعا - في تحديد هوية ذاك المصلح وتفاصيل حركته الإصلاحية والنهضوية الكبرى، ولكن المؤكد هو أن البشرية على موعد يقيني مع حلم المصلحين على امتداد التاريخ وهو تحقق ذلك الهدف السامي النبيل، حينما ترسو سفينة الإصلاح والعدالة على ساحل النجاة وقد علاها من رغبوا في الاستقرار والطمأنينة، وطلبوا الارتواء الروحي بعد أن أضناهم تعب الحيرة والبحث المضل بين الدروب والسبل المتعددة دونما جدوى، فقد طال انتظارها لذلك اليوم الموعود المرتقب.

إنه ذلك اليوم الذي تشهد فيه البشرية بلسما لجراحها التي انفتقت من كثرة العداوات والخلافات والكراهيات، والتي تحولت إلى قطيعة وحروب مدمرة، لم يجن منها الناس سوى أنات اليتامى والثواكل، وصراخ الجائعين بعد أن فقدوا غطاء الأمن الغذائي والاجتماعي، وحان وقت إنهاء تلك الحروب التي اشتركت فيها الفرق المتناحرة بكل قواها وطاقاتها، وأحالت البسيطة الخضراء إلى بلقع جرداء قد أحرقت كل شيء جميل وأحالته إلى حسرات ورماد.

هذا الاضطراب النفسي والهواجس المدمرة من آثار هذه الحروب المتتالية والاقتتال الذي نجم عنه نزيف لا يندمل، فتولدت المخاوف من هذه الدائرة غير المتناهية من الخراب والإفساد، فكان للعقيدة الدينية دور كبير في الدعم النفسي وترسيخ الأمل المنشود بنهاية للآلام والأحزان، فجاء طرح الدولة المهدوية التي تنشر بساط العدل والصلاح وظهور خيرات الأرض والسماء على يدي المصلح العظيم؛ لتنجاب تلك الظلم ومصادر القلق الرهيب من النفوس، وتنال قسطا وافرا من الأمان والطمأنينة عندما تتطلع لذلك اليوم المشهود والذي فيه تنال مرامها وغايتها المرتقبة بشوق كبير.

ولم تكن هذه العقيدة الراسخة وهما يخفف به المستضعفون آلامهم ويبددون مخاوفهم، بل هي عقيدة تقوم على أرضية صلبة من الواقع المبرهن عليه بالوعد الإلهي والوجدان الإنساني، وهذه العقيدة لا تدعو للخنوع وتكتيف اليدين والقبول بواقع الفساد والظلم والتسليم له، بل هي تصنع النفوس الأبية المقدامة والتي تطلب العزة والكرامة برفض هيمنة العدوان بكافة أشكاله بحسب الإمكانيات المتاحة لها، فالفرد المهدوي في كل زمان ومكان يتحرك وفق مباديء الصفاء النفس الناتج عن أمل برفرفة راية الحق والعدالة على يدي المخلص العظيم، وأن أنصار الراية المهدوية على امتداد الزمن هم من تمسكوا بالهدى والاستقامة ومنظومة القيم الأخلاقية والإنسانية، وانطلقوا في فضاء العمل الاجتماعي بعد أن تسلحوا بالثقافة والمعرفة بقدر ما تتاح لهم الفرص، لنشر الفضيلة وبثها في الناس من حولهم، مع رفضهم للمنكرات والدعوة للتخلي عنها.