آخر تحديث: 24 / 11 / 2017م - 8:08 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مفهوم الانتظار وحقيقته

محمد أبو زيد

ورد عن الامام الصادق قوله لأبي بصير في شأن المنتظرين لظهور الامام المنتظر عجل الله فرجه ”طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته، المطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون..“

يتكئ مفهوم الانتظار على حقيقة كونية فلسفية مفادها ان التحولات الكبرى في مسيرة الحياة والإنسان وتقدم وتطور المجتمعات الانسانية ووصولها الى كمالها لا تتم بشكل سريع ومفاجئ ومباغت واعجازي... وإنما تتحقق وفق مسيرة تراتبية متقنة ومقننة تحكمها سلسلة من العلل والأسباب الطبيعية التي تؤثر وتتفاعل فيما بينها وتتكامل وصولا الى انجاز الظاهرة المطلوبة او الهدف المرسوم والمنشود.

في مسيرة الانسان هناك هدف من اجله خلق الله الانسان وهو العبودية المطلقة لله ”وما خلقت الجن والإنسان الا ليعبدون“ التي تعني ان يصوغ الانسان حياته فيما يقبل ويرفض ويأخذ ويعطي ويعتنق من أفكار وآراء... ان يكون ذلك كله وفق ما رسم الله وشرع وقنن.

ان الوصول الى هذه الغاية والهدف النهائي يحكمها مساران، الاول: هو الهداية الإلهية ”المنهج او الخارطة“ التي رسمتها السماء وجاء الأنبياء والمصلحون لتوضيحها واقناع الناس باهمية اتباعاها.

والثاني: جهد الانسان الذي هو مزيج من وعيه وثقافته وبصيرته النابعة من قناعته الراسخة بالمنهج والعمل على ضوئها في رسم الخطط التي تعينه على تحقيق أهدافه، وتهيئة البيئة المناسبة والصبر وتحمل المشاق ومواجهة التحديات وترقب النتائج دون ملل ولا كلل، وهذا هو المفهوم الحقيقي للانتظار!!

ومن هنا جاء التعبير عنه في الروايات بانه ”أفضل الاعمال“ لانه تعبير عن وعي وثقة وبصيرة وعزيمة واصرار وتحدي وايمان بالغيب الذي لشدة بصيرة اصحابه تحول الى شهادة وحضور لا يشوبه شك وارتياب..

لهذا ورد عن الامام زين العابدين قوله لأبي خالد الكابلي في مدحهم «ان أَهْلَ زَمَان غَيبتِه الْمُنْتَظِرُونَ لِظُهُورِهِ، أَفْضَلُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَعْطَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ وَ الْأَفْهَامِ وَ الْمَعْرِفَةِ مَا صَارَتْ بِهِ الْغَيْبَةُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُشَاهَدَةِ، وَ جَعَلَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِينَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ «صلى الله عليه وآله» بِالسَّيْفِ، أُولَئِكَ الْمُخْلَصُونَ حَقّاً، وَ شِيعَتُنَا صِدْقاً، وَ الدُّعَاةُ إِلَى دِينِ اللَّهِ سِرّاً وَ جَهْراً "

ان الوصول الى هذا المستوى الروحي والاخلاقي الرفيع في ظل موجات التشكيك والفتن وانتشار المجون والانفلات الاخلاقي والقيمي والضغوط والتحديات المختلفة التي تحاصر الانسان في هذا الزمان، لهي دليل على مستوى الوعي والبصيرة لدى المنتظرين الذين تساو عندهم غياب الامام وحضوره الشخصي بينهم لشدة معرفتهم به والتزامهم منهجه وطريقته كما ورد في الرواية عن احدهم : ”من سره ان يكون من اصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا، هنيئا لكم أيتها العصابة المرحومة“

وامام هذا التصوير الفني لحالة المنتظرين ينبغي ان نتحسر على انفسنا وتخنقنا العبرة لأننا لم نزل في بداية الطريق رغم تقادم العهد ومشارفة اعمارننا على النهاية!!!

غير اننا نعزي انفسنا اننا يا مولاي نلمح ظلالك التي تضفي على هذا الكون كل جماله وجلاله، ونحس بأنفاس تسبيحاتك تعبق فضاءاتنا، ونصغي بخشوع لنفحات تلاوتك تنشر السكينة والهدوء في أطراف كوننا المشحون بالخوف والقلق؛

اننا يا مولاي نلمس بركاتك حين تقرأ وتبين وحين تقوم وتقعد وحين تصلي وتقنت وحين تركع وتسجد وحين تهلل وتكبر..

بل ان هذه الصور هي وحدها التي نراها، وامام شموخها وضيائها تتباهت كل الصورة وتغيب كل الألوان وتبدو باهتة شاحبة...

بغير وجهك قد ضاعت ملامحنا

وكل اوجهنا في الأفق تنطفئ

وكل الواننا تمحى وتسكننا

الموتى وبين دمانا يطّلع الصدأ

تحجرت رئة الدنيا فلا نفس

وسافر الماء فاحتل المدى ظمأ

وصار في رئتيك الماء محتبساً

وفوق اضلاعك الأنهار تتكأ

* الأبيات للأخ الشيخ علي الفرج