آخر تحديث: 22 / 11 / 2017م - 5:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

حكايتي مع الكتابة

علي حسن آل ثاني

صباح الحرف والكلمة صباح الخير أيها القراء

قال الله في كتابه الحكيم

بسم الله الرحمن الرحيم «ن، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ»

قد تأخذني حروفي تارة بلونها الأبيض وتارة إلى اللون الأسود مستفيدة من وضح النهار وسطوع الشمس ومن عتمة الليل وحلكة الظلام، وتارة أخرى تأخذني إلى الطيف بألوانه المتعددة مستمدة من الزهور تألقها وتنوعها وجمالها فيتأرجح إلهامي في الفضاء علواً وانخفاضاً كأنني كوكب يبحث عن ركن له في السماء، ولا يلزمني سوى حواسا لا تشبه الحواس، يلزمني عيونا وآذانا ومشاعرا للنفوس لتترجم نبضات قلمي ليس إلا!!

الكتابة ماهي إلا غيث وغيوم، وسماء تزخر بعظمة النجوم، وربيع أخضر وشتاء معطاء، وأشجار مكسوة بكل ألوان الحياة، أسائل نفسي كيف لي أن أغرق في غربة زمني الطويل وفي يدي قلم قد طوعته أحلامي وخواطري.

أعتبر الكتابة هاجسي وشاغلي وأنا أهجرها لأيام أو أسابيع. تداهمني أسئلة كثيرة وحائرة:

متى أكتب ولماذا لا أكتب؟ ماذا حدث لي أهو هروب؟ ومم أهرب؟ وكيف لي أن أحمل قلمي وسط هذا الضجيج والزخم من الأمور الصعبة والمهام الثقيلة في مجتمع متمرد؟ أين أكتب؟ وماذا أكتب؟

أكتب عندما أرى الطبيعة ساجية والليل قد أرخى سدوله والسكون خيم على أرجاء الكون والعالم في سباتهم، حيث ألمح قلمي ينزف هنا وبين السطور!!!!

أرى الكتابة عالم واسع وخليط بين الواقع والخيال، ما بين لحظة تأمل وفيض خاطرة وأمل وكلمات حزن وفرح، ويأبى قلمي السفر بين شواطئ الكلمة وغربة بعيدة المنال، نطرق أبواب ودهاليز مجتمعات متعددة الاطياف والتقاليد والقيم والمبادئ، نعايش أزمانا بعيدة واجيال متباينة ما كان لنا فيها أن نكون، ونرحل من زمان هناك حيث اللاحدود ونعود الى زمان آخر.

الكتابة ملاذ للعارفين، ودفئ للتائهين في دروب الحياة، فلا أجد مكانا يجتمع فيه السحر والسرّ في آن واحد كما الكتابة، فهي غرس يانع الإشراق، وسنابل طيب منبتها متعدد الأصناف والأعراق، تجتمع في خاطري فأنثرها زهرا وحبا وشوقا تجتمع فيه كل الأوطان على ورقة بيضاء تتلون بألوان الكتابة بأحرفها وأبجدياتها وبلاغتها بمعاني سامية وكلمات أنيقة تسرح وتمرح في عقول القراء. لعل الكتابة هي كالهواء النقي الصافي والأمان الروحي السابحة مع هموم وأوجاع الزمن وافراحه. هكذا أنا افترش الورق واجمع رحيق الكلمات والمشاعر المتوهجة التي لم ولن تنضب يوما وستظل كحبات الندى التي تحتض الاغصان مع كل فجر يمحي ظلمة الليل الكالح بالسواد في نفوس البشر.

اكتب حينما لا أستطيع البوح علنا وحينما يجتاحني الأنين بسلوكيات البشر المكتوم فتدفعني العاطفة بعد تحكم العقل للبوح بسن القلم. إن احتباس الكلمات في القلب مصدر عذاب، فالكلمات إذا ازدحمت في الصدور لم تجد سبيلاً للخروج إلى فضاء الحياة توشك أن تخنق صاحبها وتفتك به.

قد تكسر الكتابة حاجز الصمت لذوي القلم.

الكتابة هي التئام جرح ما داخلي وشفاء. كانت الكتابة الوسيط الهادئ والحنون الذي يقف بين عقلي وقلبي. كنت ألقي بكل ما يثقلني في بحار بيضاء. يتمثّل بياضها في النتيجة التي تصل إليها نفسي أخيراً بعد انتهاء المهمة الشاقة في التخلص من أغلال الضيق التي كانت تقيد يدي وقدمي. وكان اللجوء العفوي إلى كتابة الاحداث اليومية وغيرها وكل ما يدور في فلك العالم اليومي.

حاجة فطرية تحتاجها النفس إلى التفريغ عن كل ما يعتلج في الذات من مشاعر وتناقضات وأفكار وخفايا تؤرق صاحبها وتدفعه إلى تعذيب نفسه كي يتجاوز القيود ويغادر مربع المحدودية في التفكير ويتجاوز قيود النفس والزمان والمكان، فيشارك عالمه الداخلي مع العالم الخارجي ويعرض على الناس صدق مشاعره دون استحواذها لذاته النقية.

لقد وجدت في الحرف صديقا مؤنسا، يستمع إليك في صمت حينما تكون في حاجة لمن يسمعك ويتكلم همسا حينما تكون في حاجة لمن يكلمك، الكتابة هي سر وجودي والهواء الذي أتنفسه كل صباح للعودة للحياة، طاقتي التي تجعلني أكثر إقبالا على الحياة، على الحب وعلى نور الشمس والطبيعة وعلى الناس والعالم ككل.

تعتبرالكتابة جزء مني دون الاستغناء عنها، جرعة أدمنتها لا فرار لي من سطوتها، وإن توقفت احيانا وقد يعتريني فتور تجاهها لأسباب أجهلها، ولكنني لا أستعيد نفسي إلا بعد أن أخط الحرف الأول، فالسطر الأول، فالتالي. حتى أنهي ما بجعبتي وقد ارتفعت معدلات هرمون السعادة في دمي!!!!!

بعد كل هذا، هذا هو سر كتابتي؟ حيث الكتابة حياة القلوب المنهكة.

لعلني اصف شعور كصياد هاوي يسعده أن يملئ شبكته بما طاب له من الاسماك

وإحساس الأم وهي تمدّ ذراعيها لمولودها الجديد؟ لا، ليس هذا ولا ذاك، هي نشوة وجمالية الكتابة والابداع ليس إلا!!!

وهنا اردت أن أنوه عن طقوس الكتابة عند توغلي في عالمها، من معاناه يزيدها تألقا وجمالا وهناك خبايا وخفايا تنقلني لدنيا الخيال والجمال، تارة احلق في الفضاء واخرى أغوص اكاد أن اغرق في الأعماق والأعناق بالقارئ ومعه.

وهنا استأذنكم أيها القراء لأن أقف عن الكتابة حيث للكتابة حدود وقيود دون بنود، لي عودة قادمة استلهم فيها معكم مع مقال قد يروق لكم أعزائي القراء. ودمتم بألف خير.