آخر تحديث: 27 / 5 / 2017م - 4:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

اغتيال الوجدان بالصورة الذهنية

وديع آل حمّاد

قال الله تعالى: ﴿و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.

الحياة الزوجية والعلاقة الأسرية الناجحة هي نتاج معادلة موزونة بين عنصري الوجدان والصورة الذهنية. فالوجدان يحرك المرء على إبراز مظاهر المودة والمحبة قولا وعملاً. والصورة الذهنية ترسم للإنسان خارطة طريق لكيفية تصرفه وسلوكه.

فالحبل السري الذي يربط بين طرفي العلاقة الأسرية الناجحة هو الوجدان والصورة الذهنية المرغوبة التي يود المرء أن تكون لنفسه في أذهان الناس.

وهنا نسأل التساؤل التالي: لماذا نجد - في واقعنا الميداني - من هو ناجح في حياته الأسرية، ومن هو فاشل في علاقته الأسرية، رغم التقائهما في وحدة الهدف، إذ كل واحد منهما يطمح في علاقة ناجحة وحياة زوجية ملؤها السعادة والسرور؟ ما السر الكامن وراء ذلك؟

هذا السؤال يدفعنا إلى قراءة تنقيبية في منشأ ومصدر سلوك الإنسان.

إن دراسة منشأ الواقع السلوكي للفرد في هذا الموضوع في غاية الأهمية والخطورة، إذ تجاهله وإهماله والتغاضي عن تلمس تأثيره، يجعلنا نراوح مكاننا فلا نستطيع أن نصل إلى تفسير صائب ومقنع يبين سر النجاح والإخفاق في العلاقة الأسرية.

دراسة منشأ الواقع السلوكي يعني معرفة المحرك والمحفز لسلوك الإنسان.

هناك محركان يحركان سلوك المرء لا يمكن تجاهل تأثيرهما لما لهما من بالغ الأثر في توجيه سلوك الإنسان، وبصياغة آخرى: إن سلوكه ماهو إلا انعكاس لهما. وهذان المحركان هما:

- الصورة الذهنية والمخيلة.

- الوجدان والعشق والتعلق القلبي.

وأعتقد بمعرفتنا المحركين الأساسيين لتوجيه سلوك الإنسان بتنا قادرين على تشكيل فكرة محورية تكون بمثابة منصة انطلاق نحو مقاربة التساؤل السالف.

والفكرة المحورية هي مصدر سلوك المرء وتأثيره على العلاقة الزوجية والأسرية.

ولتكون الصورة واضحة وجلية أحاول استحضار مثال من واقعنا الحياتي يصور لنا منشأ السلوك وتأثيره على العلاقات الأسرية.

بعض الأفراد تعيش في مخيلته الذهنية صورة الزوج الذي تخاف منه زوجته، فترتعد فرائصها وترتعش مفاصلها، وتعيش حالة إرباك وتوتر بمجرد دخوله المنزل أو سماع صوته.

فهذه الصورة الذهنية متى ما تغلغلت في أعماق هذا الإنسان ودواخله السحيقة سيكون - من الطبيعي - سلوكه أسيراً لها. وبالتالي يعمل من خلال سلوكه على أن تكون تلك الصورة الذهنية التي موطنها الذهن بارزة على السطح.

أي أن هذه الصورة الذهنية «صورة الرجل المخيف» المصاحبة لهذا الرجل والمستوطنة في ذهنه، حتما ستنعكس على سلوكياته وعلاقته بأسرته، باعتبار أن الصورة الذهنية تشكل حافزاً قوياً على اختيار نوعية السلوك.

يقول العالم بولدنج في هذا الصدد: «إن الكيفية التي يتصرف بها الإنسان تعتمد على الصورة الذهنية».

وهذه المقولة تشير إلى أمرين في غاية الأهمية، وهما:

- التأثير العميق للصورة الذهنية في توجيه سلوك الإنسان.

- إمكانية إعادة تشكيل الصورة الذهنية وتعديلها وتحسينها وتحويرها، مادامت هي عبارة عن استحضار ذهني عقلي.

من هنا نفهم أنه إذا كان هناك استحضار ذهني جديد سيتبدل سلوك الإنسان تبعاً له.

فمن خلال ماتقدم اتضح لنا بأن الصورة الذهنية البشعة المتغلغلة في أعماق المرء تجعل منه فرداً لا يطاق متجرداً من العشق والهيام والوجدان والحنان والرقة والعاطفة. وبسماته السلبية تكون شريكة حياته في موضع لا تحسد عليه، إذ تعيش القلق النفسي والاضطراب العاطفي، والتفكير الجاد بالفرار من هذا الجحيم، بدلا من الأمان والاستقرار.

وفي مقابل أولئك الأسرى لتلك الصورة البشعة، هناك أفراد منعتقون عن تأثيرها في علاقاتهم الأسرية، فسلوكياتهم منطلقة من الوجدان والعشق والتعلق القلبي والصورة الذهنية المرغوبة، فتجد طبيعتهم التسامح وديدنهم التغاضي عن الهفوات والنقائص.

وهذا ينعكس على استقرار حياتهم التي تكون ملؤها الحب والود والرقة والعاطفة، ولا مجال فيها للخوف والقلق والإرهاب.

والشعور بالاطمئنان يولد عشقا متبادلاً، إذ يتحول كل واحد منهما إلى عاشق ومعشوق في آن. وهذا التحول الروحي ينعكس عليهما، فيتغاضى كل طرف عن نقائص وهفوات الطرف الآخر.

وآخيراً أقول:

لا تضحِ بسعادتك إرضاءً لغرورك وأنانيتك، فهذه الصورة الذهنية «الرجل القوي، مسموع الكلمة، مهاب الجانب» ما هي إلا الجانب المظلم من الأنا، ولذا عليك الانطلاق نحو الكنز الحقيقي الموجود داخلك ألا وهو الوجدان والعشق، إذ يمنحك السعادة والبهجة.

وتذكر دائما أن الحياة الزوجية لا تكون محلقة نحو النجاح إلا بجناحي الوجدان والصورة الذهنية المرغوبة وليست البشعة.