آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

كيفية معرفة العالِم في نَظَر العلامة الفضلي الكبير

حسين الخليفة

 أينما حلَّ العلامة الحجة الشيخ الميرزا محسن الفضلي «ت 1409 هـ » يحل العلم ويفوح شذى مجلسه العامر بمسائله المتنوعة تنوع علوم الدرس الشرعي ومعارفها وما اتصل بها من رؤى وثقافات رافدة أو مساوقة لها من حيث الظرف وطبيعة الحياة.

الشيخ الفضليإن إطلالة سريعة حول حياة شيخنا الجليل أبي الهادي - رضوان الله عليهما - توفرها كتب التراجم المتنوعة والكثيرة، كفيلة بأن توصلنا إلى اليقين؛ لإجماع الأعلام العارفين به وشهود العيان بصفة مجلسه الذي يعج بمذاكرة العلم ومسائله، وبأن سماحة الشيخ كان هو المحرك والسبَّاق إلى طرح المسائل العلمية متى ما وجد أن السؤال قد نضب في بصائر مجالسيه، فيعمد إلى استثارتها من جديد بطرح الإشكالات الجديدة على المسائل المطروحة، ثم تتم مداولة الإجابات، وبعد ذلك يتدخل حين يجد ضرورة في الإضافة والتصحيح أو الإجابة التأسيسية، فيخرج الجميع من مجلسه على اختلاف مستوياتهم الثقافية ممتلئين علماً ومعرفة، مما لا يمكن لبطون الكتب وحدها أن تجود عليهم وتمنحهم ما أتحفهم بها جناب الشيخ الذي يتمتع بتقريب البعيد وفك العبارات العويصة وبتقريب ما دق ولطف إلى الأذهان بعبارات مختصرة واضحة كل الوضوح.

كان الحجة الفضلي الكبير - رحمه الله - ضليعاً في علوم العربية وعلوم العقيدة والتشريع وما اتصل بهما من عقليات المنطق والفلسفة أو الحكمة، فهو لم يخرج من حاضرة العلم وجامعتها الكبرى «النجف الأشرف» إلا وهو مجاز بدرجة الاجتهاد الفقهي بإجازة خطية من قِبَل أستاذه الموسوعي المرجع الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، كما أجيز من قِبَل المرجع الفقيه الشيخ حبيب بن قرين الأحسائي وغيرهما من المراجع الأعلام فيما ورد في درج الوكالات العامة عنهم، وكان - يوم أجيز بالاجتهاد - في بدايات العقد الرابع من عمره الشريف.

كان يتمتع بفضيلة علمية تتجاوز الاقتدار الصوري الحدِّي في الصناعة الفقهية، عرفه بها ذوو الخبرة من أساتذته وزملائه في الجامعة النجفية، وهو في ريعان شبابه قبل أن يُجاز بالدرجة من لدن أساتذته، مما يدل على التشدد المتبع آنذاك في منح الدرجة لمن يستحقها، فالأمر يأخذ أبعاده في النضج من خلال الخبرة العملية التي تصقل الملكة وتعمقها.

تغيُّر مصطلحات الرتب العلمية وانعكاس ذلك على شخصيته إيجابياً:

من الأمور التي كان يذكرها شيخنا الجليل في مجالسه كثيراً، مسألة الرتب العلمية وتبدلها تاريخياً، فقد ذكر أن كلمة «الفاضل» التي صارت تطلق على طالب العلم الذي حاز على رصيد من الحصيلة العلمية تقل عن رتبة «الاجتهاد» برتبتين، فهي تأتي قبل رتبة «المراهقة» التي تسبق «بلوغ الاجتهاد»؛ مما جعل كلمة «الاجتهاد» تمتلك تقديراً عظيماً لدى طلبة العلم باعتبارها المرحلة الأخيرة من مراحل العلم التي تنقل طالب العلم من التقليد إلى الاستقلال بالرأي، فلا يتبع غيره في التزام الأحكام من الناحية الشرعية.

ثم يعرج شيخنا الجليل إلى بيان القيمة العالية لرتبة «الفاضل» قديماً، ليصل إلى مراده من الناحية التربوية، فيوضح لطلبة العلم وعموم مجالسيه أن كلمة «الفاضل» كانت تفوق كلمة «الاجتهاد» رتبة ومقاماً، فهي تعني التعمق في مطالب العلم ليتجاوز صاحبها القدرة الاحترافية على مزاولة آليات الاستنباط وتطبيق القواعد المعهودة على جزئياتها، لتكون له رؤية خاصة في منهجية الاستنباط، فقد يصح أن يطلق على مزاول عملية الاستنباط كلمة «مجتهد» متى ما امتلك الآلية المذكورة واهتدى إلى النتائج بعد سيره المدرسي الصحيح في خوض مقدماتها، غير أن الفضيلة العلمية التي تعطي لصاحبها لقب «الفاضل» فيتقدم رتبة على «المجتهد» لا تكون إلا لمن أدمن النظر في مباني الاجتهاد نفسها وفي المنهجية المتبعة وفي كل ما يمر في طريق الاستنباط من «سطوح عليا» نزولاً إلى «مقدمات الدرس الشرعي»، فالرؤية الخاصة الناتجة عن الرأي الاجتهادي المستقل لا تتجزأ ولا تخص الفقه وأصوله فقط ما دامت العلوم المذكورة كلها لها مدخلية في إنتاج الحكم الشرعي.

مضمار الانعكاس الإيجابي وشواهده:

لقد انعكس المفهوم القديم للرتب العلمية على شخصية شيخنا الفاضل - رضوان الله عليه - فعمل على تحصيل الفضيلة العلمية والتميز في الاجتهاد المحكك المتجاوز وعي طرق الاستدلال وممارسة ذلك إلى سبر أغوار المواد الاستقلالية والأخرى الآلية وما يحيط بالعملية الاستنباطية من قريب أو بعيد، مما جعله يكوِّن آراءه المستقلة الخاصة في علوم الدرس الشرعي بنوعيها المذكورين، لتكون نتائجه تابعة لأسمى المقدمات وأمتنها، لانتفاء المقدمات المعيبة من الأصل، وهذا مما يورث الاطمئنان في استفراغ الوسع بطريقة شمولية لا تعول على الاعتماد على السائد في قبول مسائل المقدمات، ولا تقبل قبل الفحص أن تنزلها منزلة المسلمات.

كانت مرحلة الطلب هي المضمار في الحصول على فضيلة التميز، وجاءت مرحلة الأستاذية لتعمق مرحلة التأسيس من خلال مزاولة التدريس الشامل للعلوم الآلية والاستقلالية بعد الحصول على الاجتهاد وتكوين الفضيلة العلمية وبعد ترك موطن الدراسة والانخراط في الحياة العملية في شتى مواطن التبليغ، فكان يدمن طيلة عمره المديد على تدريس المقدمات والسطوح، فلا يأنف من فتح دروس في النحو والصرف والمنطق والبلاغة ينفذ فيها رغبات طلاب مبتدئين يرغبون في طلب العلوم الشرعية، ضارباً بذلك مثالاً ناصعاً للتواضع والإخلاص في نشر العلم، فينظر في عطائه وانفتاحه على الطلبة المبتدئين النظرة نفسها حين يلبي رغبة المتقدمين دراسياً ويفتح لهم درساً في السطوح على مستوى الفقه والأصول وعلى مستوى العقيدة التي كان يوليها اهتماماً كبيراً في التدريس النوعي باعتبارها الأصل و«الفقه الأكبر» بحسب الاصطلاحات المنصوصة في تاريخ التشريع الإسلامي الذي يضع الأصول في خانة «الفقه الأكبر» والفروع في خانة «الفقه الأصغر»، فالنظرة إلى المقدمات والسطوح من حيث التدريس واحدة ما دام الباعث والمحرك هو الإخلاص في تعليم العلم ونشره، مخالفا في ذلك رأي من يرى أن شأنية من في مقامه ومستواه أن يباحث ذوي الفضل والاجتهاد أو الشروع في البحث المتقدم المصطلح عليه ب «الخارج» وأن تدريس المقدمات والسطوح مناسب لمن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد.

تواضع أم ذكاء متقدم على العرف الخاص؟

لا شك أن التواضع متحقق حين يقبل الشيخ الكبير علماً ومقاماً ومكانةً اجتماعية على تخصيص قسم من وقته الثمين لتعليم المبتدئين والناشئين والمتدرجين السائرين في طلب العلم والاهتمام بهم ورعايتهم الرعاية البالغة.

لكن شيخنا الكبير يهدف - بالإضافة إلى ضرب مثال ناصع في التواضع - إلى تحقيق هدف تربوي متين يستحق من أجله مخالفة العرف الخاص في مسألة مقام الأستاذية والمادة التدريسية التي يحددها ذلك المقام، وهو تنشئة المبتدئ على أساس رصين واضح المعالم من حيث رؤى القواعد والمفاهيم وتوظيفها التوظيف الصحيح في العملية الاجتهادية فيما بعد، ففرقٌ شاسع بين أن يدرس الطالب المبتدئ أو الدارج من المقدمات إلى السطوح عند أستاذ مازال في مراحل طلب العلم غاية الأمر أنه أنهى الكتاب الفلاني ليقوم بتدريسه لمن هو دونه في الرتبة كما هو المتبع في هيكلية الدرس الحوزوي، وبين أن يتلقى الطالب دروسه من قِبَل عالم مجتهد فاضل، فيضعه الأستاذ على مكامن القوة والضعف في المادة التدريسية، ليغدو الدرس مع كونه تأسيسياً آخذاً في منحاه شكل البحث الاستدلالي على المستويين التأصيلي والمعرفي سابقاً في الطرح على الشاكلة المذكورة مرحلة السطوح والسطوح العالية في الفقه والأصول، فينفتح الطالب على الجو العلمي بصورته الاجتهادية مع المراحل الأولى من الدرس الحوزوي في علوم العربية والعلوم العقلية الأولى، لتتشكل عنده العقلية العلمية الناقدة من الوهلة الأولى، وهو أمر لا يشعر بعظمته إلا من جربه وذاق حلاوته، ثم رأى انعكاس ذلك إيجابياً على شخصيته العلمية ورأى تقدمه السريع وامتلاكه رؤية واضحة في الطلب، بخلاف من تلقى دروسه الأولى عند أستاذ لم يبلغ مرحلة الفقاهة، ولم يعرف كل العرفان مكامن الثمرات العملية المبعثرة في طيات المادة التي يقوم بتدريسها ليقدمها بتوجيه تربوي ورؤية صائبة إلى طلابه، بالإضافة إلى أن الأستاذ غير الفقيه كثيراً ما يقع تحت ضغط الانبهار والتقديس للكتاب أو المنهج الذي يقوم بتدريسه، فيعمل على نقل المضمون وتوضيحه دون مناقشته نقاش الند للند، مما ينعكس سلبياً على الطالب، فتنمو عنده الروحية الاتباعية وتخبو الروحية الاجتهادية التي يصنعها الفقيه ويبثها في نفوس طلابه وهم في مراحل الطلب الأولى، وهذا هو ما كان يصبو إليه شيخنا الفضلي الكبير ويسعى إلى تكوينه في وعي الطالب وبناء ذهنيته على أساس اجتهادي ناقد على مستوى المقدمات وفي صورة أكثر اتساعاً على مستوى السطوح، مما يحسب ذلك لشيخنا - رضوان الله عليه - ويعد شاهداً من شواهد الذكاء التربوي المتقدم في شخصيته المخلصة الفذة في مستوياتها العلمية التربوية وفي الملكات النفسية الأخلاقية.

الشخصية العلمية وضبط المقدمات:

ما تقدم يبين بوضوح جلي أهمية مقدمات الدرس الشرعي لدى العلامة الفضلي الكبير - رحمه الله - وكيف كان يعمل على إحراز ضبطها وإتقانها إتقاناً نوعياً من قبل طالب العلم من بداية خطواته الأولى إلى نهايتها في تحصيل كل ما يقع مقدمة في العملية الاجتهادية.

ولذلك كان يوجه طلبة العلم إلى الاعتناء بالمقدمات وإتقانها، حتى حفظَ الطلبةُ ورواد مجالسه العامرة مقولته الشهيرة: ”إذا أردتَ أن تعرف أن فلاناً عالم أو غير عالم، فاختبره في مقدماته“ ثم يبين بإسهاب فحوى مقولته مستحضراً بعض الشواهد عليها من تجربته الطويلة في الدرس والتدريس ومن تجارب أعلام سابقين وقف على إرشاداتهم المستمدة من خبراتهم وتجاربهم الطويلة.

والمقدمات هنا لا يُقصد بها المناهج التي تسبق السطوح في ترتيب الدرس الحوزوي، وإنما يراد منها كل ما يساهم في تزويد المشغل الاجتهادي وتغذيته لينتج عنه الفقه المستنبط الشامل لقسيميه الأكبر والأصغر.

ولعل تدريس المقدمات من قبل عالم مجتهد فاضل والمداومة على تدريسها - بعد ما مر من نفعه العظيم للطالب - يكرس حضورها والمحافظة على ضبطها وإتقانها لدى الأستاذ وتجاوز ذلك إلى الاجتهاد فيها وفي مسائلها التي تقع في طريق العملية الاجتهادية، مما يورث الاطمئنان التام في إنتاج الأحكام المبنية على أساس منها من حيث الفهم واستجلاء الملابسات والإشكالات ومن حيث التأسيس الجديد الذي يعيد صياغة بعض قواعد المقدمات أو يرجعها إلى انتزاعاتها ويحدد على ضوء ذلك علاقتها التداولية بالتعميم.

فالعالِم الجواد يُعرف بضبط مقدماته ضبطاً نوعياً، يبني من خلالها أساسه المتين الذي ينطلق منه إلى امتطاء صهوة الإبداع والخوض بثقة واطمئنان في مضمار العملية الاجتهادية التي تفتقر في تكوينها الصحيح إلى تأسيس متين يستضيء به طالب العلم من الخطوات الأولى في مرحلة الطلب حتى بلوغ رتبة الاجتهاد وصولاً إلى تكوين فضيلة علمية تستظهر حركية العلم في صوره البهية المشرقة.

إن هذا الأمر يحتاج - حتى يتبلور تبلوراً نوعياً ويستمر - إلى شخصيات علمية تربوية مخلصة متفانية في أداء واجبها الرسالي مثل شخصية العلامة الحجة الشيخ الميرزا محسن الفضلي الكبير في عطائه وإخلاصه وتفانيه وفي تمتعه بخصال وصفات جعلت طلابه ومريديه ورواد مجالسه الغنية بالعلم والمعرفة والتهذيب يلهجون بذكره طلية عمره المديد الذي قارب المئة من السنين أو بلغها حتى لبى نداء ربه عام «1409هـ» ولا زال ذكره رطباً على ألسنة الناس، يضربون به المثل في صدق اللهجة وفي التفاني والإخلاص في أداء واجبه الرسالي التنويري وفي تطابق رؤاه وسيرته كل التطابق. إنه عالم بحق بما للكلمة من معنى.. إنه جدير جدارة موضوعية بأن يبقى الناس يلهجون بفضائله التي لا تنسى، وحقيق بأن يكون - رضوان الله عليه - من ورثة الأنبياء.