آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 4:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

آل طالب: الثورات كشفت عن هشاشة دور التشكيلات التنظيمية والحزبية

جهينة الإخبارية حوار: حسين زين الدين
الكاتب والإعلامي علي آل طالب
الكاتب والإعلامي علي آل طالب

لا تزال منطقتنا العربية تشهد حراكا شعبيا وجماهيريا مستمرا مع ماتعتريه من تحديات وأزمات تفتعلها الأنظمة المستبدة في مواجهة الزحف الشعبي نحو تحقيق مطالبها في الإصلاح السياسي والاقتصادي والمجتمعي، والتطلع نحو مزيد من الحريات والحقوق.

لا تزال منطقتنا العربية تشهد حراكا شعبيا وجماهيريا مستمرا مع ماتعتريه من تحديات وأزمات تفتعلها الأنظمة المستبدة في مواجهة الزحف الشعبي نحو تحقيق مطالبها في الإصلاح السياسي والاقتصادي والمجتمعي، والتطلع نحو مزيد من الحريات والحقوق.

وتهتم الأنظمة الاستبدادية النخب السياسي المعارضة تطبيقها أجندة خارجية، فيما ترى تلك النخب أن هذا الحراك جاء نتيجة تماطل تلك الحكومات في تنفيذ وعود الإصلاح والتغيير أو أن تلك الإصلاحات لا ترقى للمستوى المطلوب لمسار الإصلاح والتغيير، بالإضافة لحالة التضييق والاختناق «السياسي والاقتصادي والاجتماعي» الذي ولّد حالة من الإحباط في نفوس أفراد المجتمعات العربية ممّا دفعهم للمطالبة بحقوقهم وحريتهم وكرامتهم.

ويلعب الإعلام دورا فاعلا ومؤثرا في تحقيق نجاح ذلك الحراك من فشله؛ إن التزم «الإعلام» بالموضوعية ونقل الحقيقة، أما إذا كان الإعلام يتحرك في إطار أجندته السياسية الضيقة أو الطائفية المقيتة؛ فإنه سيشوه ذلك الحراك الشعبي والجماهيري.

«التحول الديمقراطي بعد الحراك العربي» كانت محطتنا الحوارية مع الكاتب والإعلامي علي آل طالب الذي أشار إلى أن الثورات وحراكيتها العفوية؛ في تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا... لم تسهم في تعرية الأنظمة الاستبدادية فحسب، بل كشفت عن حقيقة لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي هشاشة دور التشكيلات التنظيمية والحزبية.

وأكد آل طالب على أن مثل هذه الثورات والتي مازجت العفوية بالصدقية بالتضحية قد لقنت المعارضات العربية درسًا بليغًا في عملية التغيير، وكأنما لم يُعد الأمر بحاجة لاستعارة زمن تلقين الأدبيات الجهادية والحماسية؛ ليأتي شباب الفيس بوك وتويتر ليخطف الماضي والحاضر.. وربما المستقبل أيضا.

ويرى أن المثقف في الحقيقة وبموجب مسؤولياته لا يتوقف عن عملية إنتاجه للأفكار، والتي هي عبارة عن مزيج ما بين التشخيص والتخطيط، فهو بمثابة العقل المدبر والحضاري للمجتمع، إلا أن دوره دائما يكون عرضة إلى الانخفاض والتصاعد؛ وفق المتغيرات والظروف وما تفرضه الحاجة.

مكتسبات مضيئة

كيف تقرأ حركة الشعوب العربية نحو المطالبة بالتغيير والإصلاح وتحقيق الديمقراطية والعدالة؟ وما مكتسبات هذا الحراك الشعبي؟

الثورة الربيع العربي الثورات العربية

في البدء لستُ بحاجة لاجتراح البراعة لأقول بأن الثورات العربية مع مطلع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين قد حققت الكثير من المكتسبات، والتي وإن لم تستشعر الشعوب أثرها حاليًا، بالتأكيد ستدركها على المدى القصير والمنظور، فقد جاءت والعالم العربي برمته بحاجة ماسة لحدث بمستوى وحجم هذه الثورات، لتستعيد الشعوب بريقها بعد غياب طويل عن مسرح الفعل وصناعة مشهد المشاركة السياسية، ويأتي هذا التحول بعد أن لعبت الحكومات الأبوية والاستبدادية وعلى مدى أكثر من نصف قرن من الزمن أدوارًا عديدة مُكرسة لمقولة «أنا الدولة، والدولة أنا»، وحتى الحكومات التي تدثرت بالديمقراطية وعناوينها المتعددة لم ترقَ في أغلب سلوكياتها وممارساتها إلى الحد الذي يسمح للشعوب بالمشاركة السياسية معها.

ومن هذا المنطلق نستطيع أن نضع العديد من المكتسبات المضيئة لهذه الثورات ومدى ما تعكسه في الواقع على مستقبل الشعوب العربية والصورة المبتكرة لإعادة إنتاج مفهوم الدولة على اعتبار أن الشعب هو المصدر الأهم فيها. ومن أبرز تلك المكتسبات: -

1. كسر ظاهرة الرتابة السياسية التي لم يكن السياسي وحده قد ساهم فيها بقدر ما كان للأيدلوجيات دور كبير في إحداثها.

2. عنصر المباغتة والمفاجأة التي أحدثتها هذه الثورات، فهي لم تكن مفاجئة للمفكرين أو المثقفين أو السياسيين فحسب، بل إن معظم الدراسات الاستراتيجية والانثرولولوجية والتي كانت قد جعلت من العالم العربي محل تخصص وعناية، لم تكن تتنبأ بها، خاصة وأن ملامح سيوسولوجيا هذه الشعوب ما يؤشر إلى أن هناك تغييرا قادما بمستوى وحجم القيام بالثورة والتغيير الجذري.

3. إعادة الثقة للإرادة الشعبية وإعادة انتاج الأمل بالحرية والعدالة والديمقراطية.

4. الإعلام وكافة وسائل الاتصال الحديثة بعد أن كان حكرًا للقوالب السياسية والأيدلوجية، هو اليوم قد لعب دورا كبيرا في إنجاح هذه الثورات.. بل ولربما كان هو السلاح الوحيد لهذه الشعوب؛ لأن تقول كلمتها الأخيرة.

5. السلوك السلمي وانضباط إيقاع الشارع الاجتماعي أثبت جدواه الحقيقية في عملية التغيير الجذري، فبعد هذه الثورات قد بات محل اقتناع مثالي لكافة الشعوب المتطلعة للحرية والديمقراطية، وإن الإرادة الشعبية تظل العامل الرئيس من كل تلك العملية التغييرية والحضارية.

6. في الأخير؛ هذه الثورات أعطت درسًا بالغًا للحكومات العربية قاطبة لإعادة النظر في مشروعيتها والتي لايمكن أن تكون دون مرجعية الشعوب... مما جعلها على مفترق طرق.. فإما أن تشرع هذه الحكومات في الدخول في عملية إصلاح سياسي حقيقي وملموس... وإما أن تذهب إلى المجهول بعد أن تدخل في مواجهة حقيقية مع الإرادة الشعبية.

هشاشة دور النخب السياسية والحزبية

كيف ترى تجاوز الشارع العربي في مطالبته للتغيير والإصلاح لنخبه السياسية والثقافية مؤخراً؟

الثورة الربيع العربي الثورات العربية

سؤال في غاية الأهمية، إذ يقتضي النظر مليًّا في الشريحة التي بفضلها تم صناعة هذه الثورات، أي شريحة الشباب. فقد حقق هؤلاء ما عجزت عنه ولعقود ليست بالقليلة مختلف المكونات الأيدلوجية والاجتماعية والاستنهاضية، وكافة أشكال صور المد الأصولي والقومي والماركسي واليساري وغيرها. كما يبدو بأننا أمام جيل عصري وجديد... بالرغم من مقاربته الوجدانيّة للروافع الأيدلوجية، ومحاكاته من حيث التغيير والحراك للنمذجة التشبيكة الاجتماعية منها والسياسية، إلا أن مشهد الثورات قد رسم لنا حالة من الانفكاك بين ماهية النماذج والأطر تلك، وبين تحرك هؤلاء الشباب في ميادين العمل، وبكلام أكثر دقة، إن الثورات وحراكيتها العفوية؛ في تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا... لم تسهم في تعرية الأنظمة الاستبدادية فحسب، بل كشفت عن حقيقة لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي هشاشة دور التشكيلات التنظيمية والحزبية. بالتأكيد مثل هذه الثورات والتي مازجت العفوية بالصدقية بالتضحية قد لقنت المعارضات العربية درسًا بليغًا في عملية التغيير، وكأنما لم يُعد الأمر بحاجة لاستعارة زمن تلقين الأدبيات الجهادية والحماسية؛ ليأتي شباب الفيس بوك وتويتر ليخطف الماضي والحاضر.. وربما المستقبل أيضا.

الشباب طوفان التغيير

وهل جاء ذلك نتيجة خذلان تلك النخب لآمال مجتمعاتها أو تخليها عن تحمل مسؤولياتها؟

الثورة الربيع العربي الثورات العربية

لا نستطيع أن ننعت الأمر بالخذلان بقدر ما هو أشبه بسوء الطالع، لأن مجرد الانخراط في عمل دؤوب؛ اجتماعيًّا أو فكريًّا أو سياسيًّا هو بحد ذاته لا يخرج عن نطاق المحاولة في سيرورة التغيير والإصلاح، ولكل مجتهد نصيب. بيد أن الأمر لا يخلو من مكتسبات يحققها الواقع لصالح الإنسان، فحزمة الاتصالات الحديثة لا شك بأنها كانت عاملا مهمًا في إحداث المفاجأة والتغيير... وهذا ما أحسن الثوّار استعماله على أكمل وجه.

ولربما يُعزى ذلك الترهل الحاصل في جسم المعارضة الداخلية في معظم البلدان العربية جراء تلقيها لعدة ضربات مكثفة، وإدخالها في سلسلة من الانهاكات والمناورات، ساهم إلى حد ما في إبعادها عن ساحة التغيير الحقيقي، من خلال انخراطها في تكوينات هامشية - ولو اتسمت بعناوين عصرية - فهي في جوهرها لا حول لها ولا طول. من هنا جاء طوفان التغيير على أيدي الشباب الذي أعاد إنتاج الصورة الحقيقية للمكتسبات الحقوقية والسياسية وكل ما من شأنه أن يعزز مبدأ الحرية والعدالة والمساواة.. كل ذلك بمنأى وبمعزل عن التأدلجات الكبرى، وعن مختلف الشعارات الرنانة!.

المثقف العقل المدبر للمجتمع

وكيف ترى دور المثقف؟

المثقف في الحقيقة وبموجب مسؤولياته فهو لا يتوقف عن عملية إنتاجه للأفكار، والتي هي عبارة عن مزيج ما بين التشخيص والتخطيط، فهو بمثابة العقل المدبر والحضاري للمجتمع، إلا أن دوره دائما يكون عرضة إلى الانخفاض والتصاعد؛ وفق المتغيرات والظروف وما تفرضه الحاجة، وأعتقد بأن ما انسحب من قول على دور المعارضات السياسية سابقًا، يتماهى مع حجم ودور المثقف أيضًا، مع فارق النسبة والتناسب، لا لشيء سوى المثقف غالبًا ما كان بعيدًا عن دوائر الفعل والتطبيق.. وهذا ما هو عليه حال المثقف العربي تحديدًا والذي تخلو أجندته من الدخول الواقعي والميداني للفعل الإصلاحي المباشر والواضح، فهو - أحيانا كثيرة - ما يحب أن يعيش في أحلامه وفي برجه المتعالي!.

مركز آفاق للدراسات والبحوث