آخر تحديث: 24 / 10 / 2017م - 8:56 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المنصات الإعلامية

محمد الحرز صحيفة اليوم

الحضارة المعاصرة قائمة على مبدأ ثقافة السوق باعتبارها القيمة العظمى التي تمثل عند فاعليها الحقيقة المطلقة والقوة التي لا تبارى ولا يقف أمام سلطتها أحد. هذا واقع لا يمكن الإشاحة بوجوهنا عنه، ولا التغافل عن مؤثراته في جميع مجالات الحياة مهما كان هذا التأثير سلبيا أم إيجابيا، حيث من أهم نتائجه إذ أصبح كل إنتاج معرفي، وكل علاقات اجتماعية وسياسية ودينية وتاريخية وإعلامية خاضعة دون أدنى شك للمبدأ ذاته، وهذا الخضوع لم تفلت منه كل المجتمعات العالمية تقريبا، وقد سمي هذا الخضوع ببساطة بظاهرة العولمة.

أعرف مسبقا أن هذا الكلام عند القارئ لا يبدو جديدا أو غير معروف بالمطلق، لكني أريد أن أتحدث عن نقطة محددة في خضم هذه الظاهرة، ألا وهي التحولات الإعلامية التي طالت الإعلام ما قبل وما بعد هذه الظاهرة.

مفكرون كبار تناولوا هذه التحولات وقاربوها سواء على المستوى التقني أم الفكري السياسي أم الاجتماعي الفلسفي، منهم على وجه الخصوص المفكر اليساري ريجيس دوبري، وقبله المفكر تيودور أدرنو، وعموم المدرسة النظرية النقدية في فرنسا، النتيجة التي نستخلصها من هذه المقاربات هو تنامي قوة الإعلام وتغول سلطته على مجالات كانت شبه مستقلة سابقا كالاجتماع والفن والأدب والرياضة والدين وأصبحت لاحقا خاضعة له تمام الخضوع. على سبيل المثال مفهوم النجومية أو النجم لم يكن له وجود قبل تطور وسائل الإعلام المرئية أو الفضائية، كان كل مكتوب له قيمة بين الناس، ترتبط بصاحب القدرة على الكتابة، وهو هنا الملقب بالمثقف على وجه التحديد، ويمكن أن يشار إليه باعتباره المعادل الموضوعي لما يمثله مفهوم النجم في الثقافة المعاصرة وإن كانت السمات والمكونات تختلف بين الاثنين. ويمكن أن ينطبق هذا المفهوم ليس على المثقف فقط، بل حتى الديني والرياضي والفني والإعلامي غير أن ما قبل التطور لم يكن هؤلاء يقعون في مجال الشهرة مثل المثقف. لكن بعد تطورها أصبحت القوة الفائضة التي يملكها الإعلام تستوعب كل شيء وكأنها آلة ضخمة تطحن في داخلها كل شيء أمامها، ليخرج لاحقا بهيئة جديدة لها أهداف وغايات لا تمثل ما كانت عليه سابقا. خذ أيضا على سبيل المثال مهنة المؤرخ، ففي السابق كان يتعامل مع مادة مؤرشفة ومكتوبة ومحددة في الزمان والمكان بينما الآن بفضل المنصات الإعلامية الكثيرة بما توفره يوميا من تدفق في المعلومة من جميع الجهات، انحسر - حتى لا أقول اختفى - هذا النوع من المؤرخين، وأخذ مكانه الإعلامي بامتياز. النتيجة بالتالي مؤسفة: انتشار الثقافة الضحلة، واستحواذ السياسيين على مفاعيل هذه المنصات.