آخر تحديث: 13 / 12 / 2017م - 5:12 ص  بتوقيت مكة المكرمة

هندسة الدعم للجمعيات الخيرية

أمين محمد الصفار *

تقع جمعياتنا الخيرية في مصيدة الدعم المتوقع للقيام بأعمالها، حيث أنها تجتهد في استقطاب تبرعات واشتراكات الأهالي بالدرجة الأولى. في حين أن ذلك ليس مهماً - مادياً - مقارنة بما تقدمه وما يجب أن تقدمه الشركات والمؤسسات الوطنية، مما يعني أن هذه الجهود مخالفة تماماً لقاعدة 20/80 المعروفة.

الأمر الأخر أنها تعتمد على تسويق أنشطتها ومشاريعها كلها - تقريباً - على عدد محدود في دائرة ضيقة من المؤسسات ورجال الخير في المنطقة، مما يشكل ثقل على هذه المؤسسات الصغيرة نسبياً، والتي قد لا تطيق الدعم الذي تحتاجه كل تلك الأنشطة من معظم جمعيات منطقة القطيف، فهناك عدد محدود من المؤسسات ورجال الخير عرفوا بدعم الأنشطة الخيرية وأصبح التردد عليهم وكأنه تقليد يجب الاقتصار عليهم وحدهم فقط، هذا هو الحال عملياً بغض النظر عن الظروف والأسباب.

نعلم جيداً أن الشركات والمؤسسات الكبيرة القادرة على الدعم لديها استراتيجية معلنة الآن، وهي أنها لا تقدم الدعم المادي المباشر للجمعيات، بل تقدم فقط دعماً لمشاريع وأنشطة محددة تقوم بها الجمعيات. ولدى معظم هذه الشركات إدارة خاصة تعنى بالمساهمات الاجتماعية تسمى إدارة المسؤولية الاجتماعية، ومختصر القول هو أن هذه الشركات اصبح لديها شعاراً وهو: أنها لا تدعم الجمعيات التقليدية في أعمالها أو تلك التي لا تعرف ماذا تفعل، والعديد من التوصيفات الجارحة احياناً، تلك هي حجتهم.

وبمعنى أكثر وضوحاً، الشركات الكبرى خصوصاً ليست مهتمة ببرامج تقديم المساعدات المادية المباشرة للفقراء والمحتاجين وما يماثلها من البرامج الخيرية، بل تهتم فقط بتلك البرامج والمشاريع التي تقدم خدمات منتجة - فقط - يستفيد منها المحتاج أو المجتمع، مما يستوجب على جمعياتنا توجيه الجهود لتسويق مشاريعها التي سيستفيد منها المحتاج والمجتمع للشركات الكبرى - التي تحبذ هذا النوع من البرامج فقط - لكسب التمويل منها وفق المعايير التي حددتها إدارة المسؤولية الاجتماعية التابعة لها.

وتحتاج الجمعيات الخيرية لتلبية مواصفات وشروط الدعم التي تطلبها الشركات أن تتفهم تقنياً هذه المواصفات وتعمل على هندسة أنشطتها تبعاً لذلك، لا أن تلقي اللوم عليها، فهذا اللوم لن ينتج شيئاً مفيداً للجمعية.

ببساطة يمكن تلبية المتطلبات المعلنة لهذه الشركات عبر تحويل أنشطة وبرامج الجمعية إلى مشاريع تدار بطريقة إدارة المشاريع. ماذا يعني هذا؟ يعني أن تحدد الجمعية خطة ذات أهداف واضحة قابلة للقياس لكل مشروع، وأن تحدد بها ميزانية سنوية متوقعة لكل مشروع، وآلية عمل واضحة وطموحة للمشروع، وعدد وحجم المستفيدين المتوقع من المشروع سنوياً، وحجم التطور في المشروع دورياً. ثم تنطلق حملات التسويق على هذا الأساس، وليس على أي أساس أخر أو سابق متعارف عليه. هذه المعايير تتوافق وتتطابق مع كل الأنظمة المهنية التي تخلق مستوى مرتفع من الكفاءة في إدارة المشاريع أي كانت هذه المشاريع، بل هي وسيلة جذب مستقلة وتسويق لعمل الخير سواء للشركات الكبرى أو لأهل الخير عموماً في هذا البلد.

هندسة الدعم للجمعيات تقتضي أن تصنف أنشطة الجمعيات إلى صنفين من الأنشطة، الأول أنشطة خدمات منتجة متوافقة مع معايير الشركات الكبيرة ويتم تمويلها من خلال الشركات الكبيرة، والثاني: أنشطة لا يمكن أن تتوافق مع معايير دعم الشركات الكبرى مما يعني أن الجمعيات تحتاج لتغطية مصاريفها من خلال مساعدات الأفراد ومن في حكمهم ومن موارد الجمعية الذاتية، وذلك لسد هذه الفجوة تحديداً.