آخر تحديث: 23 / 10 / 2017م - 7:06 ص  بتوقيت مكة المكرمة

على مفرق الطرق

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، تأسس نظام عربي جديد، تحت مظلة جامعة الدول العربية، لتكون جزءاً من الترتيبات الغربية، في منطقتنا، لما بعد الحرب. ويمكن القول، إن هذا النظام هو تركة قوى عالمية قديمة، كانت في حينه تتأهب للرحيل عن مركز القوة، وتسليمه للقوتين الجديدتين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

في نهاية الأربعينات من القرن المنصرم، بدا واضحاً أن بريطانيا، بدأت تتحول إلى حليف تابع لأمريكا. وكانت نتائج الحرب، قد كشفت عن تراجع واضح وكبير للقوة العسكرية الفرنسية. ولم يكن للأمة الفرنسية العظيمة، أن تعود حرة من غير التدخل المباشر والفعال لقوات الحلفاء، التي اضطلعت بالكامل بعملية تحرير الأراضي الفرنسية، من الاحتلال النازي.

لقد عنى ذلك، أن القوة العظمى، التي كان لها الدور الأكبر في تأسيس النظام العربي الجديد، باتت غير قادرة على الاستمرار في ممارسة دور الراعي لهذا النظام، وأنه بات عليه أن يبحث عن مواطئ جديدة لأقدامه، في ظل التغيرات الكبيرة، في موازين القوى الدولية، التي حدثت بعد نهاية الحرب، وبلغت أوجها باكتشاف السلاح النووي.

للأسف تصرفت جامعة الدول العربية، وكأن العالم من حولها لم يتغير. كان بإمكانها أن تستثمر مرحلة الانتقال، والتغيرات الهائلة، في موازين القوة الدولية، لتتحول إلى كتلة عربية فاعلة، لكن الظروف السياسية التي مرت بها الأمة، وضعف الكيانات الوطنية، وكون عدد كبير لا يستهان به من البلدان العربية، لا تزال في حينه تحت هيمنة الاستعمار، قد حجب عن الأمة هذه الفرصة التاريخية.

في حقبتي الخمسينات والستينات، حدثت انقلابات عسكرية، وتحولات سياسية كبيرة، في المنطقة العربية. كان التحول الأبرز بينها قيام ثورة 23 يوليو في أرض الكنانة. وكان لهذه الأحداث إسقاطاتها المباشرة على النظام العربي الرسمي. فهذا النظام الذي ظل يحتفظ بسياقات عمله القديمة، والذي لم يتمكن من التكيف مع المتغيرات الدولية من حوله، شهد تصدعات خطرة، بفعل انقسام دول الجامعة العربية، في استراتيجياتها وتحالفاتها، تبعاً لانشطار العالم.

انقسمت جامعة الدول العربية، بين مؤيدين للغرب وآخرين مؤيدين للكتلة الاشتراكية. في فترة ما كانت مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا والسودان وشطرا اليمن، أقرب في سياساتها وعلاقاتها للاتحاد السوفييتي، بينما كانت السعودية وبقية دول الخليج العربية، والأردن وتونس والمغرب، أقرب للغرب، في العلاقات السياسية والاقتصادية. وكان لذلك تأثيراته المباشرة أيضاً، في استراتيجية التسلح، حيث كانت كل دولة عربية، تشتري السلاح من الحليف الأقرب لها.

ويمكن القول بقليل من التردد، إن مجمل الأزمات العربية - العربية في حينه، هي انعكاس للصراعات الدولية، وللحرب الباردة الدائرة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. لكن القضية الفلسطينية، ظلت حتى نكسة الخامس من يونيو عام 1967، عاملاً مشتركاً بين العرب، بغض النظر عن تصنيفاتهم وتحالفاتهم. وكان الجميع متفق على أن فلسطين، هي قضية العرب المركزية.

منذ ذلك التاريخ، سالت مياه كثيرة. تحول الموقف من الصراع العربي مع الصهاينة، من صراع وجود إلى صراع حدود. وقّعت مصر، ومنظمة التحرير والأردن اتفاقيات سلام مع «إسرائيل»، فيما بات معروفاً باتفاقية كامب ديفيد، واتفاقية أوسلو، واتفاقية وادي عربة. إن ذلك يعني أن الخيط الرفيع، الذي كان يجمع العرب جميعاً تحت مظلة خيمة واحدة، بات على الأقل، على الصعيد الرسمي، من الماضي. ومع غياب هذا الخيط، وعدم قدرة الخيمة العربية الوحيدة، جامعة الدول العربية، على التكيف مع المتغيرات الدولية، وتجديد أطرها، وهياكلها، فإن النظام العربي، أصيب بالعجز والشيخوخة.

ولعل ذلك يفسر لنا، كيف أن هذا النظام لم يستطع الصمود، أمام إعصار الخريف الغاضب، الذي شهدته الأمة قبل سبع سنوات. لقد انخرطنا جميعاً في أتونه.

نحن الآن على مفرق طرق، تسويات دولية، بين العملاقين: أمريكا وروسيا. لا أحد بينهما، يأخذ مصالحنا في الحسبان، ولا أحد يستشيرنا، أو يضع اعتباراً لمواقفنا. اليوم نقرأ عن اتفاقات هدنة في جنوب سوريا، برعاية أمريكية وروسية. وهناك ترتيبات لتسويات تنهي الأزمة المشتعلة في سوريا. وهناك احتمال لتوصل القوتين إلى صيغة حل للأوضاع المتردية في العراق.

وليس من شك، في أن توقف سيل الدماء هو مطلب إنساني، وهو موضع ترحيب الجميع. لكن السؤال، الذي ينبغي أن تكون لدينا القدرة للإجابة عليه، هو أين موقع النظام العربي، من كل ما يجري. وهل سنظل إلى ما لا نهاية على هامش التاريخ، في عالم يتغير من حولنا كل يوم؟

لقد انتهت الصراعات العقائدية، في العلاقات الدولية، وبات التنافس الاقتصادي والعلمي والسياسي، عناوين المرحلة الجديدة. إن ذلك يتيح لنا تشكيل نظام عربي جديد، على أسس علمية، تضعنا على الجادة الصحيحة، كتكتل حقيقي يبحث عن موضع قدم له في عالم لا يحترم سوى لغة القوة،

فهل نحن جاهزون لتجاوز عقد الماضي، وتحقيق مصالحات تاريخية، وتشكيل كتلة عربية قوية قادرة على أن تكون ترساً فاعلاً، في المسيرة الإنسانية الصاعدة إلى الأمام، أم أن علينا، أن نكون خارج التاريخ أو في أحسن الأحوال، على حوافه؟