آخر تحديث: 12 / 12 / 2017م - 9:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

«جداه» ليته الداء لم يوجعك

جمال الناصر

لست متكئًا على لغة الفراق، لأكتب مرثية موتى، فيك ”جداه“، لكنه ”ابنك“، يكتبها لغة الشوق والأمنيات، حيث ظلك، كان يقينا لظى الشمس. ”جداه“ ليته الداء لم يوجعك. هي الحياة وطبيعتها، حبلى بالابتلاء، ديدنها لقاء وفراق. رحلت عن دنيانا ذات لحظة من الوقت، أدخلني الوقت، دهاليز المعاناة، لوجهك في ذاتي، ملامح لا غياب لها، وإن غبت عنا جسدًا، ذاتك ممزوجة بدواخلنا، لغتك وفكرك، طريقة تعاملك مع الآخر، القريب والبعيد، ثقافية الأنا الفردية ونحن الجمعية.

حين أكون يا ”جداه“ في ”قديحك“، لأراك في المساء، أتأملك، أحاول تجميع كلماتك وتوجيهاتك، حينها كانت تمر ممر السحاب، مر الوقت، أيامًا وأيام، أخالها سنينًا، تكومت على ذاتي، أستذكرها، لأعيد صياغتها مجددًا، نعم، لقد احتضنك التراب جسدًا، لتعصرنا الدموع، متلحفين بآهات أنين الفراق، إلا أنك حي في نفوسنا وأعيننا. ”جداه“ كيف وجدت آيات قرآنك، التي كنت ترتلها ترتيلاً ما بين شفتيك وقلبك، لتنزل كالماء على روحك، ”جداه“ كيف وجدتنا نحن المتعبون خطى السير بلا مأوى، لذراعيك رائحة المأوى وعنفوان التيه في العشق.

ها أنا الآن، قلبي يعتصر ألمًا، أكانت يديك، تتقن اللغة والكلم، بلاغة المفردة وانسيابية المعنى، هل ابتعدت عن كل المعاني الظاهرة، لتختزلها ضمنيًا، أي المعاني الضمنية، أتقنتها، وأي المسافات رشفتها بهمس يديك، أكانت تختصر كل معاناتك مع المرض، لتمنحنا البوصلة. أتذكر يا ”جداه“، حين كنت في زيارتك في المشفى، انتهينا من الزيارة، مضى من كنت برفقته، كذلك أنا مضيت خطوات، تراجعت، حملتني خطاي مجددًا إليك، مددت يدي لأعانق يديك، حينها وضعت يدك الأخرى فوق يدي، كنت تمسح عليها بلطف، كل الأشياء من حوالي لا حراك لها، لا همس يكتنفها، كنت أصغي ليديك، لديك فقط، أكنت تهمس بشيء لم أفهمه غير الوداع القريب.

”جداه“، لقد أتعبني اليراع، لعجزه أن يكون مرآة لما تصارعه الذات حينًا، وأحيانًا ليس لديه تلك القدرة والرغبة في الإفصاح عن ألمه وأساه حقيقة الإفصاح بدون الاتكاء على البلاغة، ومعانقة الضمنية، كالصحراء، حيث يعانقها السراب، لأكون متعبًا في سفر الكتابة إليك.