آخر تحديث: 22 / 11 / 2017م - 11:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

إلى الداخل العوامي

العنف - أدب الاختلاف وحدوده الشرعية «7»

الشيخ عباس السعيد *

تضييق دائرة الاختلاف الحاصل في المجتمع العوامي بين أطيافه واتجاهاته وخطوطه الدينية والفكرية على خلفية أزمته القائمة، والحيلولة دون تحوله إلى حالة خلافية عدوانية تتخذ العنف والأساليب العنيفة طريقاً في تصفية الخلافات وإزاحة المخالفين، بات ضرورة قصوى من اللازم الشروع في تمهيد أسبابها، والعمل على تأسيس مشتركات فكرية، وثوابت أخلاقية، تساعد على تطويق الخلاف، وتنقية المناخ العام من أجواء الشحن الفكري، والتهييج النفسي، والتي أصبحت تمثل تهديداً جدياً للاستقرار والتماسك الاجتماعي.

ولا يخفى أن اللجوء إلى العنف والعدوان المسلح أو أي أسلوب عنفي يتحرك في دائرة استخدام القوة من قبل أي جهة ضد أي اتجاه، أو جماعة، أو شخصية، لإزاحتها، أو تصفيتها، أو التأثير على قرارها، أو صدها عن طريقها، لا إشكال في حرمته لدخوله في جملة من العناوين المحرمة كعنوان المنكر والبغي والعدوان.

ومن المعلوم ببداهة الفقه حرمة أي ممارسة عنفية تتضمن العدوان على الغير وهدر حقوقه المادية والمعنوية، ومن أظهر الأدلة الدالة على ذلك ما دل على حرمة البغي كقوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ».

ومورد الاستدلال قوله تعالى: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وهو تحريمٌ صريحٌ لأي سلوكٍ أو ممارسةٍ عنفيةٍ تتجاوز الحق إلى البغي على الغير، بالعدوان عليه في نفسه أو ماله أو عرضه، أو بهدر أي شيءٍ من حقوقه المادية أو المعنوية، فالحرمة مطلقة لأي ممارسة عنفية تتضمن العدوان على الغير والاستقواء عليه بأي نحوٍ كان، وهي بإطلاقها تشمل موارد العدوان الجنائي، وموارد العدوان الاجتماعي والسياسي الذي يمارس لتصفية المخالفين أو إزاحتهم أو التأثير على قرارهم.

والمستفاد من الأدلة حرمة أي ممارسة عنفية تتضمن عدواناً مادياً خارجياً، أو تلويحاً بمطلق القوة بنحوٍ يتسبب في ترويع المؤمنين وإخافتهم، من قبيل إشهار السلاح، والتهديد بقوةٍ قاهرةٍ، لدخول ذلك كله تحت عنوان إيذاء المؤمن، المعلوم حرمته بالأدلة القطعية، فضلاً عما دلّ على حرمة إخافة المؤمن، كما جاء في الكافي الشريف عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله».

ولا إشكال في إمكانية الاستناد إليها لإثبات حرمة إخافة المؤمن بإشهار السلاح أو التلويح بأي قوةٍ قاهرة للأولوية العرفية.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً تذكيرٌ للمؤمنين بإيمانهم بما يمثله من هيئة روحية تنعكس في آفاق العلاقات الإنسانية بالأخلاقيات الكريمة الجميلة التي تفيض أمناً وسلاماً، ودعوة لهم إلى الدخول في السلم والسلام الاجتماعي بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم ومشاربهم، بما يوحيه التعبير من تصوير بديع يحرك المؤمنين للدخول في خيمة السلم والاستظلال بظلاله، التي تشعرهم بالأمن والسكينة، وتبعدهم عن أجواء الصراعات والاضطرابات الاجتماعية.

وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ تحذيرٌ لكم أيها المؤمنون من الانجرار وراء الشيطان وخطواته الخبيثة التي تلعب على وتر الاختلافات وتضخيم الفروقات، فإياكم أن تقعوا في حبائل وساوسه التي تحرك فيكم الأحقاد والعصبيات والنوازع النفسية الشريرة، التي تحول الاختلاف إلى حالة خلافية عنفية تتحرك في خط البغي والعدوان على من يخالفكم في الفكر والموقف، فتتخذوا العنف والأساليب العنفية الشريرة طريقاً لتصفيته أو إزاحته أو إيذائه أو ترهيبه، فإن ذلك كله من عمل الشيطان الذي لا يطمع إلا في تمزيقكم وتحطيمكم بالصراعات المدمرة.

وانطلاقاً مما تقدم نتوجه بالوصايا التالية:

  1. ضرورة تجنب أي ممارسة عنفية تتضمن العدوان على المؤمنين والأبرياء في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم.
  2.  ضرورة تجنب الأساليب العنفية التي تتضمن التهديد بالسلاح أو التلويح بقوةٍ قاهرةٍ بنحوٍ يتسبب في إخافة المؤمنين وترويعهم.
  3.  ضرورة نشر ثقافة الاعتدال والتحذير من أي ممارسة عنفية تتضمن العدوان على المؤمنين أو ترهيبهم.