آخر تحديث: 22 / 11 / 2017م - 11:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

واقعة الغدير.. قراءة من بعد مختلف

رائد قاسم *

واقعة الغدير من الاحداث المتفق عليها في التاريخ العربي بعد الاسلام، إلا انها تحمل معنا مهما عند الشيعة، حيث يستندون عليها في اثبات الاحقية المطلقة لعلي بن ابي طالب في الخلافة، بينما يرى غيرهم ان ما جاء في فضل علي في خطبة النبي في يوم الغدير كان من ضمنها ومن أحداث اليوم، وجاء في سياق ما جرى على علي من ظلم وازدراء من البعض، فكان ان انصفه النبي وأبان فضله ومكانته على مسامع المسلمين.

انني لا احبذ الخوض كثيرا في القضايا العقائدية، لأنها في اغلب الاحيان طلسمية الطرح، نظرية المضمون، دوغمائية النتيجة، وبالتالي لا يصح الاستناد عليها، إلا ان بين اتخاذ يوم الغدير عيدا وبين قراءة موضوعية بعيدة عن اية مسلمات آيدولوجية فإنني ارى ان وقائعه لا تعد وثيقة تاريخية يمكن توظيفها في أي صراع عقائدي أو برهان على صحة عقيدة ما، ولن تؤدي لانتصار حاسم لأي طرف على ساحة العراك المذهبي.

المعروف ان السلطة في الدولة العربية التي اسسها النبي محمد أسست على ارتباط وثيق بين الدين والدولة، بيد ان النبي نفسه لم يصبح قائدا لهذه الدولة التي وضع اساسها في المدينة المنورة إلا بعد بيعة اهل المدينة له، فعلى الرغم من ايمانهم به كنبي، إلا ان ترأسه لهم جاء من خلال البيعة، كآلية للوصول الى السلطة، وعندما فتح مكة كان اول ما فعله هو جمعه لأهله من قريش ومواليها ومكة وقراها، لمبايعته على السمع والإذعان، فكان ان بايعوه طوعا وكرها.

ومن خلال قراءة تاريخية سريعة يمكن القول ان واقعة الغدير لم تتضمن أية مبايعة لعلي، وانتهى يوم الغدير ولم تكن له بيعة في اعناق الرجال، ولو كان ذلك لآلت السلطة له مباشرة بعد وفاة النبي، فأسفار التاريخ تتفق على اجتماع الانصار والمهاجرين في سقيفة بني ساعده، واختلافهم على خلافة النبي، حتى اتفقوا على ان قريش «وعلى رأسهم المهاجرين» هي صاحبة الحق في قيادة دولته بعد وفاته، فقريش قبيلته وقومه وعشيرته، فلا تخرج خلافته عنها «انساب الاشراف للبلاذري: عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَعْن أَبِي مِخْنَفٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ " لَمْ يُبَايِعْ أَبَا بَكْرٍ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَبَعَثَ عُمَرُ رَجُلا، وَقَالَ: ادْعُهُ إِلَى الْبَيْعَةِ وَاخْتَلْ لَهُ، وَإِنْ أَبَى فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، فَقَدِمَ الرَّجُلُ الشَّامَ، فَوَجَدَ سَعْدًا فِي حَائِطٍ بِحُوَارَيْنَ، فَدَعَاهُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَقَالَ: لا أُبَايِعُ قُرَشِيًّا أَبَدًا» ثم اختلفت فروع قريش فيما بعد على الخلافة، فكان منها فرع العلويين ومواليهم من الهاشميين والصحابة وغيرهم، حيث كانوا يعتقدون بأنهم الاحق بالخلافة من غيرهم لانهم الاقرب رحما للنبي «في بعض المصادر: كان أبو سفيان غائبا فلما قدم قال: كيف رضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم غيركم؟ يعني آل امية وآل هاشم».

إن البيعة كانت في مسيرة الدولة التي اسسها النبي في المدينة المنورة حتى سقوطها على يد هولاكو مفتاح السلطة في كافة عهودها التاريخية، فعندما حضرت ابو بكر الوفاة اوصى بالخلافة لعمر، ولما توفي تقلد امرها دون منازع، وعندما طعن عمر اوصاها في ستة فلبسها عثمان، ولما قتل، بويع علي فأصبح خليفة المسلمين، ولما قتل، بايعت الناس الحسن حتى تنازل عنها، فتقلدها معاوية، الذي اخذها لابنه يزيد، فلما قبض والده جاءته الخلافة وهو في لهو له في احدى بوادي دمشق.

الحسين بن علي بايعه اهل الكوفة بعد ان ارسل مبعوثه مسلم بن عقيل، فلما ارسل له خبر مبايعتهم له خرج من الحجاز يريد الكوفة، الا ان الامويين اعادوا الكوفة الى سيادتهم وقضوا على كافة انصاره ومواليه.

تذكر الاسفار كيف اوصى ابو العباس السفاح للمنصور بالخلافة، على ان يكون ولي عهده عيسى بن موسى، فجاءه خبر وفاته وهو في الحج، ففتحت الوصية وبويع بالخلافة وهو في مكة.

اما عيسى بن موسى فأجبره المنصور في اواخر خلافته على التنازل لولده المهدي، على ان يكون الخليفة من بعده، ولما ولي المهدي أجبره على التنازل عن ولاية العهد ودفع له اموال طائلة مقابل تنازله.

فالبيعة كانت الآلية المتبعة في انتقال السلطة في المجتمع السياسي العربي قبل وبعد الإسلام، والسؤال البديهي الذي يطرح هنا: لو ان النبي اراد ان يكون علي هو خليفته فلماذا لم يبادر الى اخذ البيعة له في حياته؟.

ان من الواضح من كافة السياقات التاريخية ان واقعة غدير خم لم تكن حدثا مخصصا لأخذ البيعة لعلي، إذ ان اجتماع آلاف الناس، من ضمنهم عدد كبير من الصحابة ورؤساء العشائر والقبائل، لم تكن من اجل بيعة علي وإلا لانتقلت له السلطة حتما بعد وفاة النبي، فقد ظل كرسي الخلافة فارغا بعد وفاة النبي حتى اجتمع الفرقاء في السقيفة، كل منهم يرى نفسه الاحق فيها «النزاع والتخاصم بين بني امية وبني هاشم: روى إسماعيل بن خالد عن الشعبي قال: قال العباس لعلي رضي الله عنهما حين مرض النبي صلى الله عليه وسلم إني أكاد أعرف في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت فانطلق بنا إليه نسأله من يستخلف فإن استخلف منا فذاك وإلا أوصى بنا، فقال علي للعباس كلمة فيها جفاء. فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال العباس لعلي: أبسط يدك فلنبايعك فقبض يده. قال الشعبي: لو أن عليا أطاع العباس كان خير له من حمر النعم».

لا اقصد من هذا المقال إثبات عقيدة على حساب اخرى، ولا احبذ الخوض في القضايا العقائدية التي كانت وما زالت احد ابرز اسباب انتشار الصراعات المذهبية والطائفية التي ساهمت في تدمير الحضارة العربية وتأخر امتي العرب والمسلمين عن اللحاق بركب الحضارة، وأؤكد دائما على ضرورة ترك الجدال المذهبي في مختلف جوانبه، إلا ان يكون طرحا موضوعيا في اطار بحوثا علمية رصينة، وان على المجتمعات العربية بشكل عام النظر نحو المستقبل بكل ما يحمله من آفاق واسعة وتقدم شامل في مختلف حقول العلم والمعرفة والثقافة، إلا انه في كل الاحوال لا بد من قراءة التاريخ ومراجعة الماضي، ومحاولة إعادة طرحه من جديد من ابعاد وزوايا جديدة ومختلفة بقدر الامكان، اذ قد تفتح آفاق رحبة يمكن من خلالها العبور نحو الحداثة، وردم الحفر العميقة التي احدثتها الصراعات التاريخية بكل ما خلفته من نتائج كارثية على البيئة العربية، سواء على صعيد ارثها وتاريخها او حاضرها وواقعها على مختلف الاصعدة والجوانب، وذلك في سبيل بناء مجتمع عربي متصالح مع نفسه ومحققا لانسجام حضاري ما بين ماضيه وحاضره، وتاريخه ومستقبله.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 6
1
علي
[ الربيعية ]: 9 / 9 / 2017م - 7:33 ص
(ان واقعة الغدير لم تتضمن أية مبايعة لعلي، وانتهى يوم الغدير ولم تكن له بيعة في اعناق الرجال، ولو كان ذلك لآلت السلطة له مباشرة بعد وفاة النبي)

هذا إلزام للشيعة بما لا يلتزمونه, نحن نقول أن الصحابة نكثوا البيعة باجتماعهم في السقيفة, وانت تقول لو كان هناك بيعة لآل الأمر إلى علي
من أين أتيت بهذه الملازمة؟ هذه الملازمة متفرعة عن كون الصحابة كلهم أتقياء لا يخشون في الله لومة لائم, فأثبت هذه النقطة ثم ابن عليها ما تريد بناءه

(لو ان النبي اراد ان يكون علي هو خليفته فلماذا لم يبادر الى اخذ البيعة له في حياته؟)
عجيب, هل تريد أن ترد على الشيعة بهذا؟ نحن نقول أنه قد أخذ البيعة له في الغدير من المهاجرين والأنصار

وأين القراءة التي هي من بعد مختلف لواقعة الغدير؟؟ لم تفعل سوى تكرير كلام علماء أهل السنة
2
أبو هاشم
[ صفوى ]: 9 / 9 / 2017م - 4:25 م
هناك اشتباه كبيرعند الكاتب الكريم ، جميع من حضر يوم الغدير بايع الإمام علي عليه السلام بالخلافة والإمامة .
ويوم الغدير هو الإعلان الرسمي لتنصيب الإمام علي عليه السلام خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا ما فهمه الجميع من كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
(من كنت مولاه فعلي مولاه ، ومعنى المولى ) هنا الخليفة والمتولي للأمور
وهذا ما فهمه الشاعر حسان بن ثابت :
يناديهم يوم الغدير نبيهم
بخم وأسمع بالرسول مناديــا
فقال من مولاكم ونبيكم
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

فقال له قم يا علي فإنني
رضيتك من بعدي إمامــًا وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه
فكونوا له أتباع صدق مواليا
3
أبو حسين
[ القطيف ]: 9 / 9 / 2017م - 5:23 م
الكاتب انتهج منهج أرسطو في التفكير و هو مبني على مقدمات معينة ثم الانتقال عبر تلك المقدمات إلى النتائج. من عيوب هذا المنهج هو أن حتمية بطلان النتائج بشكل قطعي إذا كانت إحدى المقدمات خاطئة و لو كانت كل بقية المقدمات صحيحة.
من خلال المقال ذكر الكاتب الرسول محمد (صلى الله عليه و آله وسلم ) و الامام علي (عليه السلام ) و لم يصلي و لم يسلم عليهما و من هنا يتضح منهج الكاتب
لدي سؤال للكاتب
لو أن لديك مزرعة فيها 10 عمال هذه المزرعة تحتاج الى الكثير من العمل و التنظيم ، و جاء لك سفر طارئ. فهل تترك مزرعتك دون أن تختار أحدهم ممن تثق فيه و خبرته ليكون مسئول عن المزرعة و تقول هم من يختارون من يقودهم؟ هل هذا منطق العقلاء؟
أنت قلت في مقالك " فعندما حضرت ابو بكر الوفاة اوصى بالخلافة لعمر" كان من المفترض أن يقتدي أبو بكر بالرسول (صلى الله عليه و آله وسلم ) و لا يوصي لأحد حسب منهجك الذي أتبعته.
4
الضياء
[ القطيف الحبيبة ]: 10 / 9 / 2017م - 6:59 م
الرسول (ص) قد أوصى بالخلافة للإمام علي (ع) في أكثر من موضع فحديث الدار و حديث الثقلين و حديث المنزلة .... إلخ حديث الغدير نستطيع القول بأنه تذكير لقرب أجل الرسول (ص) فالكاتب غير مطلع على التاريخ فقال عمر بخ بخ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كل مسلم كما ورد في تاريخ بغداد
5
محمد
[ محمد ]: 10 / 9 / 2017م - 8:35 م
المقال مع الاحترام ضخل وسطحي وينم عن قلة اطلاع كاتبه
6
تقي عيسى الشيخ علي
[ القطيف ]: 11 / 9 / 2017م - 4:06 م
المقال جميل وادلته واضحة قد نختلف معه فيها لكن التعليقات الواردة مع الاحترام لاصحابها لم تأتي بدليل واضح يخالف الكاتب لكي نفهم الرأي السديد.
ملاحظة بسيطة الامام علي عليه السلام لا يحتاج للخلافة انما هي بحاجته فهو امام وهو من ضمن الرعية السياسية وهو امام ايام خلافته والراعي لها ولا نحتاج الى معلقين تحكمهم عواطفهم بدون وعي او تفكير