آخر تحديث: 22 / 11 / 2017م - 11:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نحو تدين قيمي لا طقوسي

جعفر الشايب * التجديد العربي

عندما نحاول توصيف ”الشخص الملتزم دينا“ فان معظم الأنظار تنصرف الى كونه الشخص الذي يؤدي الفرائض الشرعية الواجبة دون إعطاء التفات مناسب أو متوازن لمدى التزامه بعكس قيم الدين على حياته العامة. هذا الانفصام في الفهم والممارسة يتبعه بصورة طبيعية ازدواجية وتناقض بين العبادة والسلوك العام، وينظر بسبب ذلك الى تأدية العبادات على أنها طقوس مكرورة وليست اعمال ذات مقاصد عليا.

جاءت الأديان مصححة لما قد يشوب الحياة البشرية ويعترضها من انحرافات بأسباب الجهل والظلم والتسلط وضعف الهمة لاعمار الأرض، والرسائل السماوية جاءت مكملة لبعضها ومتممة لمكارم الأخلاق بين أبناء البشر. الأديان طرحت قيما سامية عليا لتؤكد على العدالة والمساواة والتسامح والدعوة الى الخير بين الناس، ووضعت برامج عبادية تتوافق مع هذه القيم، مؤكدة على ان المقاصد الكبرى للشريعة والعبادات هي الأصل والأساس.

مع كل هذا الوضوح في المفهوم الديني، الا ان هناك طغيان واضح في دراسات الفقه مثلا بين العبادات في مقابل المعاملات، ولعل ذلك مرده يعود الى غلبة وهيمنة علماء الفقه وجدلهم العلمي المتواصل مقابل غياب أو تغييب رجال الإصلاح وحملة القيم. لا نجد كثيرا من الجدل والنقاش والحوار في قضايا تعزيز قيم الدين، بل مانراه خلاف ذلك تماما، فعلى الصعيد الفردي يتجه الكثيرون الى التمسك بمظاهر التدين لأغراض قد تكون مصلحية، وبين الجماعات يمكن ملاحظة المخالفات الحادة لقيم الدين في أي صراع بينها.

هناك بعد اخر للموضوع يتعلق بتخلف معظم المفكرين والمثقفين الدينيين عن ملاحقة تطورات الفكر الإنساني، فمثلا يتردد هؤلاء في الأخذ بالمفاهيم الحديثة التي تنظم العلاقات الإنسانية كحقوق الانسان والسلام العالمي وغيرها، مما يقودهم الى الارتكاز على الجوانب العبادية والطقوسية كمهرب من ممارسة الفكر النقدي والتكامل مع المعطيات والإنجازات البشرية.

السؤال الذي يفرض نفسه هو كيفية ضبط هذه العلاقة كي تكون متوازنة، بحيث يخرج الدين افرادا وجماعات ملزمة بممارسة شعائرها ومتمسكة بقيم الدين في ذات الوقت. لا يمكن الخروج من هذه المعضلة الا بالتخفيف من الحالة الدينية المتشددة ليتحول التدين الى حالة شعبية غير صدامية، وكذلك عبر إبراز وتعميق القيم الدينية الجامعة وكرها ضمن منظومة قيمية مدنية حديثة.

هذه المسئوليات الكبيرة والاستراتيجية ينبغي ان تكون على قائمة الإصلاح الديني، وان تنال حظها الوافر من الدراسة والاهتمام والبحث العميق، كما تتطلب توفر فضاءات حرة للنقد والمناقشة والحوار بين مختلف الأطراف ذات العلاقة.