آخر تحديث: 20 / 9 / 2017م - 8:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تعدد المشايخ

عبدالله الحجي

اعتدنا على وجود إمام راتب واحد في معظم المساجد يقوم بإمامة المصلين في كل فريضة بالرغم من وجود عدد كبير من المشايخ في بعض الأحياء والقرى. فهل ذلك هو مايريده الإمام والمصلون في المساجد؟ وماهو موقف المشايخ الآخرين غير المشاركين؟ أهو بسبب الكفاءة والمرتبة العلمية أم التفرغ أم ثمة أسباب أخرى؟ وهل في التعدد من إيجابيات تستدعي مشاركة أكثر من شيخ في كل مسجد؟

كثيرة هي المساجد التي يصلي فيها إمام راتب واحد. قد ينظر البعض إلى ذلك بنظرة إيجابية بأن يتوفر إمام واحد معروف وملتزم يفرغ نفسه ويتمكن من صلاة جميع الفرائض في كل يوم في المسجد بدون الحاجة إلى تنسيق ومتابعة مع آكثر من إمام.

ولكن البعض الآخر ينظر لذلك بنظرة سلبية مقابل الكثير من الايجابيات المفقودة التي يمكن تحقيقها للمصلين والمشايخ في حال التعدد. في السنوات الأخيرة تنبهت بعض المساجد لهذا الأمر وأصبحت سياسة تعدد المشايخ من أبرز استراتيجياتها لإشراك بعض مشايخ الأحياء أو القرى ليكون لهم دور بارز في إمامة المصلين والمشاركة في البرامج التعليمية والتثقيفية. فمن إيجابيات التعدد أنه لا يحصر خدمة المسجد ويحدها في طالب علم واحد ويحجم دور طلاب العلم الآخرين الموجودين من المشاركة في بعض الفرائض والاحتكاك بالمؤمنين وخدمتهم في المساجد.

ومن الايجابيات التنافس في فعل الخير وتنوع الفكر والثقافة وطرح العلوم المختلفة حسب التخصص والرغبة والميول لكل طالب علم بدلا من الاكتفاء بمصدر واحد فقط. وذلك لايعني الاقتصار على العلوم والثقافة الدينية من المشايخ فقط بل يمكن أن يتوسع المجال لدعوة متخصصين لإلقاء محاضرات في مختلف التخصصات التي يستفيد منها المصلون.

ومن ايجابياته أنه يفسح المجال للمشايخ ويخفف الضغط عليهم ويوفر لهم وقتا للقراءة والتحصيل العلمي والتحضير بشكل أفضل والابداع وتقديم مادة جديدة متميزة للمصلين بعيدا عن المواضيع التقليدية الروتينية التي اعتادوا على سماعها. كما أن ذلك يحرر الإمام الراتب من الالتزامات اليومية ويمكنه من التوازن في أهداف حياته المختلفة الشخصية والعائلية والاجتماعية وغيرها.

كما أن من الايجابيات الاستفادة من طلاب العلم المتميزين في فكرهم وعطائهم فهو فرصة أيضا لإتاحة المجال لبعض طلبة العلم المبتدئين للتواصل مع المجتمع بشكل أكبر وتعزيز الثقة بأنفسهم وتطبيق ماتعلموه ومواجهة التحديات وخدمة المجتمع. ومن الايجابيات سهولة الحصول على من ينيب للصلاة في حال غياب الإمام الراتب بدون تحرج أو تحسس فبعض المشايخ قد يشعر بأنه على خط الاحتياط وخدماته متوقفة على سفر الإمام الراتب فقط.

في أحدى المناسبات التقيت بأحد المشايخ الفضلاء الزاهدين المتواضعين وقد أثار موضوع التعدد وبدأ يشكو معاناته من عدم تجاوب عدد من طلبة العلم الموجودين في قريته للتناوب وإمامة المصلين في المسجد. فسألته وأين تصلي أنت حينها؟ فأجاب هم من خيرة الطلبة الذين أعتز بهم وأفخر بمستواهم وتحصيلهم العلمي ولا أتحرج من الصلاة خلف أي منهم.

فقلت له هنا تكمن المشكلة ولعلهم لايشعرون بالراحة بالصلاة وأنت تصلي خلفهم خصوصا إذا كان في بداية الأمر، ولايرون أن ذلك من الاحترام والتقدير وأنت بمنزلة والدهم. ونقلت له موقف أحد المشايخ في أحد المساجد الذي قالها بصراحة لن أتقدم للصلاة وأستاذي في المسجد إحتراماً وتقديراً له. فما كان من أستاذه إلا أن توقف عن الحضور في نفس المسجد ليفسح المجال له للمشاركة في الصلاة ولكي لا يشعر بالحرج.

ولضمان الاستمرارية ينبغي أن لايكون التنسيق بين المشايخ وجدولة الصلاة بيد أحد المشايخ نظرا لحساسية الوضع. ومن الأفضل تشكيل لجنة خاصة تتولى التنسيق بينهم ضمن الضوابط واللوائح التنظيمية والخطوط العريضة المتفق عليها من قبل إدارة المسجد. المرونة والتفهم والتعاون من المشايخ المشاركين خصال لابد من توفرها لنجاح سياسة التعدد واستمرارها، وكلما زاد عدد المشايخ تطلب الأمر جهدا أكبر من الشخص أو اللجنة المنسقة خصوصا في أوقات المناسبات التي لايتوفر فيها الكثير منهم.

قرار التعدد من عدمه يختلف من مسجد إلى آخر، ويعتمد على مدى قابلية واستعداد الإمام الراتب والإدارة المشرفة على المسجد، ويمكن أن يكون بنسبة محددة من الفرائض حسب العدد الذي يمكن استيعابه من المشايخ مع الاحتفاظ بمكانة وقدر الإمام الراتب. المؤيدون لسياسة التعدد يرون فيه التغيير والتجديد وفسح المجال للعدد الكبير من المشايخ ليكون لهم دور فاعل في خدمة المجتمع ونشر الفكر والثقافة المتنوعة بما يخدم المؤمنين وبيوت الله بالإضافة إلى ماذكر أعلاه من الايجابيات. ومع تطبيق هذه الاستراتيجية قد يكون عدد المساجد محدودا في بعض الأحياء فلا يُتوقع استيعاب العدد الكبير جداً من المشايخ لأن الكثرة المفرطة لها سلبياتها من ناحية التنسيق والمتابعة، ولكن مالايدرك كله لايْترك جله.