آخر تحديث: 20 / 9 / 2017م - 8:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحج عبادة اجتماعية

محمد العبيدان

لم تقتصر النصوص الشريفة على الحديث عما للحاج من أجر وثواب بعد عودته من أدائه لمناسكه، بل تعرضت أيضاً لبيان الثواب والأجر الذي يحصل عليه كل من يقوم بزيارته والسلام عليه، وهذا يشير لمجموعة من الأبعاد المهمة التي يلزم الالتفات إليها، وقبل الإشارة لذلك لنذكر بعض النصوص التي تضمنت ما ذكرنا:

منها: ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته، فإنه مغفور له[1] .

وهذا الحديث النبوي يشير للعديد من النصوص التي تضمنت أن الحاج يرجع بعد أداء فرضه ونسكه كيوم ولدته أمه صفحة بيضاء خالية من كل ذنب وخطيئة ناصعة من كل تشويه وتشويش، ما يجعله قريباً من الله تعالى مستجاب الدعاء. فقد ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: ثلاث دعوات مستجابة: دعاء الحاج في تخلف أهله، ودعاء المريض فلا تؤذوه ولا تضجروه ودعاء المظلوم[2] .

وجاء عنه ﷺ أيضاً أنه قال: الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم[3] .

ومنها: ما جاء عن الإمام أمير المؤمنين أنه قال: إذا قدم أخوك من مكة فقبل بين عينيه، وفاه الذي قبل به الحج الأسود الذي قبله رسول الله ﷺ، والعين التي نظر بها إلى بيت الله عز وجل، وقبل موضع سجوده، ووجهه، وإذا هنأتموه فقولوا له: قبل الله نسكك، ورحم الله سعيك، وأخلف عليك نفقتك، ولا جعله آخر عهدك ببيته الحرام[4] .

ولا يخفى عدم اختصاص هذا النص العلوي بالحج، بل هو شامل للعمرة أيضاً، ومن المحتمل أن تنصيصه على تقبيل رسول الله ﷺ للحجر دفع وهم ينشأ من كونه حجراً لا يضر ولا ينفع، فيكون فعل النبي ﷺ رداً على مثل ذلك.

وعلى أي حال، فقد تضمن الخبر المذكور مجموعة من الأعمال التي يلزم القيام بها حال لقاء القادم من مكة، ومن الواضح أن تلك الأعمال تعود لخصوصية فيه أعني القادم من مكة، وفي المكان الذي قدم منه، وما يتبع تلك الأعمال من خيرات وبركات.

ومنها: ما جاء عن الإمام زين العابدين أنه قال: بادروا بالسلام على الحاج والمعتمر ومصافحتهم، من قبل أن تخالطهم الذنوب[5] .

وهذا النص كسابقه في عدم حصر فضل الأجر والثواب في خصوص الحاج، بل يشمل المعتمر أيضاً. وقد تضمن التأكيد على سرعة المبادرة بالسلام عليهم وعلل ذلك قبل أن تخالطهم الذنوب، وهذا يشير لما ذكرناه في مطلع البحث من حالة النقاء والصفاء التي تصيب الناسك بعد عودته من نسكه، كما يشير لجملة من النصوص التي تضمنت أنه لا يكتب على الحاج ذنب إلا بعد مدة من الزمن على اختلاف في النصوص في تحديد تلك المدة، وليس هذا من المعارضة بينها، بل هو إشارة إلى اختلاف المراتب كما هو مفصل في محله.

ومنها: ما جاء عن الإمام الصادق أنه قال: كان علي بن الحسين ، يقول: يا معشر من لم يحج، استبشروا بالحاج وصافحوهم وعظموهم، فإن ذلك يجب عليكم، تشاركوهم في الأجر[6] .

وهو أوضح النصوص في الدلالة على مشاركة القاصد للحاج أجره وثوابه دون أن ينقص من أجر الحاج شيء أبداً، وقد تضمن النص بيان الطريقة التي ينبغي التعاطي بها مع الحاج حال قدومه وزيارته، فذكر أموراً ثلاثة، وهي:

1 - الاستبشار بالحاج، وهذا يكون بإظهار الفرح والسرور بقدومه وسلامة وصوله.

2 - المصافحة حال اللقاء، ولا يبعد أنها عنوان مشير يشمل المعانقة أيضاً.

3 - التعظيم، ويكون ذلك بالتقديم واظهار الاحترام ومزيد العناية.

ومنها: ما جاء عن الإمام الباقر أنه قال: وقروا الحاج والمعتمرين، فإن ذلك واجب عليكم[7] .

وفي الوجوب المذكور احتمالان:

1 - شرعي.

2 - أخلاقي.

وقد يوجه كونه شرعياً بلحاظ ما أعطيه الحاج من الأجر والثواب وعظيم المنزلة بغفران ذنوبه والصفح عن سيئاته، وأنه بعين الله تعالى منذ خروجه من بيته حتى يعود، وكونه محفوظاً في ماله وعياله، وما شابه ذلك، فإن هذا كله يساعد على كونه محط عناية خاصة من الله تعالى، فيكون له الاحترام اللازم.

ومن المحتمل أيضاً أن جميع ما ذكر لا يرقى لبلوغ الأمر حكماً شرعياً إلزامياً فلا يتعدى كونه أخلاقياً، فتأمل.

ومنها: ما جاء عن الإمام الصادق أنه قال: من لقي حاجاً فصافحه كان كمن استلم الحجر[8] .

وقد تضمنت النصوص الشريفة فضل استلام الحجر وما يعطاه مستلمه، سواء بني على كونه درة جاء بها جبرئيل من الجنة، أم أنه ملك. فمن ذلك ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: الحجر يمين الله في أرضه، فمن مسحه مسح يد الله[9] . وجاء عنه ﷺ أيضاً أنه قال: الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده[10] .

وفي حديث ثالث أنه ﷺ قال: الحجر يمين الله في الأرض، فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله أن لا يعصيه[11] .

ومن المعلوم أن في استلامه تجديداً للعهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم منذ خلق أبينا آدم .

ومنها: ما جاء عنه أيضاً أنه قال: من عانق حاجاً بغباره، كان كأنما استلم الحجر الأسود[12] .

والظاهر أنه لا موضوعية للغبار، بل المقصود منه الإشارة إلى قرب وصوله لبلده وعدم مضي مدة زمنية طويلة على ذلك، ليكون بعدُ محط العناية الإلهية لما أعطيه من أمور وفضل كما سمعت. ولا يمنع أخذ ذلك بنحو الموضوعية أيضاً ليكون التعبير المذكور مشيراً لتفاوت الفضل واختلاف الرتب، بحيث يكون المعانق له وهو في هذه الحالة أفضل ممن عانقه بعد دخوله داره واغتساله.

وكيف ما كان، فإن من أهم ما يستفاد من النصوص المتقدمة التأكيد على كون الحج عبادة اجتماعية وليس عبادة فردية، فلا يكون الأجر والثواب المترتب عليها منحصراً في من قام بالعمل فقط، بل يمكن للآخرين الذين لم يوفقوا لأداء النسك مشاركته الأجر والثواب.

ومن الواضح أن هذا يؤكد على عنصر مهم جداً يلزم أن ينطوي عليه المجتمع ويوجد فيه وهو يتمثل في دعوة الإسلام إلى التلاحم الأخوي والتعاون بين أفراد المجتمع، ليعيش الجميع فرحة إكمال النسك، وزيادة التلاحم بين الأفراد، كما أن هذا الأمر ينزع كل استيحاش أو ضغينة في نفس شخص على آخر، بل يزيل الشحناء لو كانت في نفس البعض لعدم توفيقه لأداء النسك، فإن فرحته بأداء أخيه إياها توحي له أنه قد أداءها هو من خلال مشاركته له في الأجر والثواب.

وما أجمل أن تعود هذه الروح في مجتمعنا، ومع وجودها فما أجمل أن تزداد وتأخذ رونقاً خاصاً بأن يستعد لاستقبال الحاج، ويكون استقبال الحجيج في مجلس عام يجتمع فيه أبناء البلد ويلتقون ويعيشون هذه الفرحة والبهجة الجميلة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا نعمة الأخوة والمحبة والتلاحم والتعاون، إنه سميع مجيب.

[1]  كتاب الحج والعمرة ص 269 نقلاً عن كتاب الجعفريات ص 66.

[2]  كتاب الحج والعمرة ص 162 نقلاً عن كتاب الدعوات للراندي.

[3]  المصدر السابق نقلاً عن كتاب الجامع الصغير.

[4]  الخصال ص 635، تحف العقول ص 123.

[5]  الكافي ج 4 ح 17 ص 256.

[6]  المصدر السابق ح 48 ص 264.

[7]  من لا يحضره الفقيه ج 2 ح 2266 ص 228.

[8]  ثواب الأعمال ص 74، روضة الواعظين ص 394.

[9]  كتاب الحج والعمرة ص 102 نقلاً عن كتاب جامع الأحاديث للقمي.

[10]  المصدر السابق نقلاً عن كتاب المحجة البيضاء ج 2 ص 203.

[11]  المصدر السابق نقلاً عن الفردوس.

[12]  من لا يحضره الفقيه ج 2 ح 2513 ص 299.