آخر تحديث: 20 / 9 / 2017م - 8:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التكامل العقلي في النظرات‎

قال الإمام الرضا : «لايتم عقل امرء مسلم حتى يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه» «تحف العقول ص 443».

هناك ثلاثة مفاهيم أشارت لها الرواية الشريفة، أولها مفهوم تمام العقل ورشده، والثاني هو النظرة الإيجابية لعطاء وإنجاز الآخرين، والآخر هو نظرة التواضع لنفسه متجنبا الصعود بها نحو هاوية الإعجاب والتكبر، والذي يفقده الكثير من المنجزات.

أما تمام العقل فهو إشارة إلى طريقة تحريك العقل نحو المجاهيل من الأمور والتصورات والقرارات والخطوات، فيستفيد من المعطيات المتوفرة من الكتب وحكم الراشدين المجربين وحنكة الأيام التي تكسبه الخبرات؛ ليتعاطى مع الواقع في ظروفه الصعبة أو المشاكل والأزمات التي يمر بها بنظرة منطقية واقعية، يتجنب فيها العاطفة العمياء أو التهور في الخطى أو التسويف في ميدان العمل، مستظلا برؤية ثاقبة لما تؤول إليه الأمور من نتائج وآثار.

العقل نعمة إلهية كبرى تأخذ دور المصباح الذي ينير لنا الدروب في حوالك الطرق والمنعطفات الصعبة، ومأسوف عليه من يضيع ثروة بسيطة من المال دون أن يستفيد منها، فيركنها نحو تراكم الغبار والاندثار، فكيف بمن يملك كنزا لا يقدر بثمن وهو المرشد والموجه له في اختيار الاحتكالات والطرق التي تضمن له إنجازا أو تجنبا للوقوع في منزلق، وهذا لا يعني بالطبع أن الشخص الأريب الرشيد لا يقع في خطأ أو يقدم على خطوة غير موفقة، بل تزل به أقدام بصيرته أحيانا، ولكن رشد عقله الذي يقوده نحو الكمال والتموضع الجوهري يعيده إلى سكة الصواب بعد أن يصحح خطأه ويعيد حساباته؛ لتتكون عنده خبرة ودرسا من دروس الحياة يستفيد منه مستقبلا.

من تطبيقات الرشد والكمال العقلي هو التعاطي بواقعية مع الآخرين، والنظرة الإيجابية والمنطقية مع عطاء وقدرات ومنجزات الغير، فلا يأمل منه أسقفا عالية تبدو بعيدة المنال، ولا يستصغر ويتذمر من عمل جيد وخطوة أقدم عليها، هو من مميزات التكامل العقلي، فمن قلل من شأن وعطاء الغير سيضع حاجزا بينه وبين التواصل الإيجابي معه، إذ سينظر له بعين سوداوية لا ترى فيه إلا الضعف، فتخيب آماله وظنونه من قدرته على تحقيق شيء يستحق أو يذكر، ومن جهته تتشكل تلك النظرات السلبية كنظرة تشاؤمية تجاه الآخر، وتنعقد بذرة احتقار الاغير واستصغار شانه، مما يعني انتهاكا لحقوق الآخرين وعقد علاقات جيدة معهم، بل انظر لأصل وجود بذرة الخير والعطاء عند غيرك، فهذا يسهم في نظرة متوازنة لهم من جهة، كما أن نظرة الرضا منك قد تكون عاملا محفزا ومشجعا لهم في إعطاء المزيد، ويعطيهم الدافع نحو مزيد من التفاعل والمساهمة في اعمال الخير والتعاون.

وأما نظرته لنفسه فلابد أن ترتكز على إيجاد دافع وهمة عالية وطموح نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وهذا ما لا يتحقق إلا من خلال تجنب التعالي وانتفاخ الذات والإعجاب بها، فمن استكثر أي عمل أو خطوة يقدم عليها، ويعطيها حجما كبيرا وتقييما عاليا لا تستحقه، ستكون عاملا في تراجعه نحو القهقري، وضعف إرادته عن الاتجاه نحو معالي الأمور.

الإنسان المميز بقدراته ونشاطاته ينطلق في فضاء كبير من الأهداف ومتطلبات ميدان النجاح، وعجلة العمل لا تتوقف يوما عند حد معين، بل كل لحظة زمنية تقدم للمرء فرصة متجددة لعمل الشيء الكثير على مستوى علاقة بربه أو تحقيق مراد له أو تعزيز علاقة اجتماعية عنده، وهذه النظرة المتواضعة لنفسه تدفعه نحو انتهاز الفرص واقتناص الأوقات دون هدر أو تضييع؛ ليحول ايامه إلى مسارات عمل تنتظر منه ان يتقدم نحوها متسلحا بالعقل الواعي والإرادة القوية والتي تسعفه بخطوات إيجابية.