آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 4:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

المحفوظ: الشراكة الوطنية شرط المواطنة

جهينة الإخبارية حوار محمد الهويمل - صحيفة الرياض
الشيخ محمد المحفوظ
الشيخ محمد المحفوظ

أجرى الزميل الصحفي محمد الهويمل في صحيفة الرياض مؤخرا حوارا مع الأستاذ محمد المحفوظ المفكر الإسلامي ومدير مركز آفاق للدراسات والبحوث.. وكانت الأسئلة كالتالي:

بروز ثنائية «الشراكة الوطنية» إحالة دلالية على مترادفة «المحاصصة»، كيف ننفي عن الوطن وصف الشركة؟

في بداية الأمر ينبغي القول: أن مفهوم الشراكة الوطنية في مختلف حقول الحياة، لا يشرع إلى المحاصصة والكانتونات الضيقة. لأن مفهوم الشراكة الوطنية، لا يبنى على أساس المكونات العرقية أو القومية أو المذهبية أو الدينية في الوطن، وإنما يبنى على أساس المواطنة. فكل مواطن بصرف النظر عن قوميته أو منطقته أو مذهبه أو دينه له كامل الحق في المشاركة في شؤون الوطن المختلفة.

فالأساس الدستوري والقانوني والسياسي الذي يحدد مفهوم الشراكة هو المواطنة بكل مدلولاتها الثقافية والقانونية والسياسية، وليس الانتماءات التاريخية أو التقليدية التي ينتمي إليها الإنسان.

ونحن هنا في إطار تأصيل مفهوم الشراكة لا نتحدث عن المنافع والأرباح، وإنما نتحدث عن الحقوق والواجبات. والشراكة الوطنية تقتضي صياغة منظومة الحقوق والواجبات، حتى يتسنى لكل المواطنين على حد سواء العمل والتنافس للقيام بواجباتهم الوطنية ونيل حقوقهم الوطنية الذاتية والمكتسبة.

وبالتالي فإن البوابة الحقيقية لإنجاز مفهوم الشراكة الوطنية بعيدا عن عقلية المحاصصة أو المنافع المادية الضيقة، هي تأصيل مفهوم المواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية.

فالمواطنة هي سبيلنا لإنجاز مفهوم الشراكة الوطنية بعيدا عن المحاصصات وكل أشكال التشظي الاجتماعي والسياسي.

«وبدون ذلك لن تتحقق هذه المواطنية وإن تاجر البعض باسمها».. كيف لنا أن ننأى بـ «الوطنية» عن المزايدات الأيديولجية الدينية واللا دينية ليستعيد الشعور الشعبي الفطري دوره في تحديد علاقة الإنسان بوطنه؟

حتى نبتعد عن كل أشكال المزايدات التاريخية والسياسية حين الحديث عن المواطنة بكل حقوقها وواجباتها، من الضروري العمل على صياغة قوانين وإجراءات دستورية تحدد بشكل لا لبس فيه حقوق المواطنين وواجباتهم بعيدا عن انتماءاتهم التاريخية والتقليدية.

فالشعور الوطني الصافي الذي يحتضنه ويكتنزه كل مواطن تجاه أرضه ووطنه، لا يحمى إلا بالقانون والإجراءات الدستورية التي تحدد للمواطن ما له وما عليه.

ولكي لا نقع في حبائل المزايدات ولعبة التوظيف السطحي والسريع لقيم الوطن والمواطنة، نحن بحاجة إلى فضاء قانوني ودستوري، يحافظ على هذه القيم ويبلور مضامينها الاجتماعية والثقافية والحقوقية والسياسية. لأن الأوطان لا تبنى فقط بالنوازع العاطفية، مع أهمية هذه النوازع والميولات للحفاظ على كل المسلمات والمنجزات الوطنية.

وإنما تبنى الأوطان بإرادة سياسية تترجم إلى مبادرات ومؤسسات وطنية حاضنة لجميع المواطنين ومدافعة عن كل حقوقهم ومكتسباتهم.

«التنوع إذا أحسن إدارته والتعاون معه تحول إلى ثروة فعلية».. التنوع مفهوم فضفاض ينفتح على آفاق تأويله ملتبسة تتماس مع «الخلاف» و«الإختلاف» و«التعددية» «التفرق» وأحياناً «التشفي» ما الآلية الحساسة التي بوسعها السيطرة على هكذا إلتباس؟

إن تنوع المجتمع وتعدده السياسي والفكري والاجتماعي، لا يعنيان غياب الانتماء الوطني، وذلك لأن القيم الوطنية هي التي تحفظ العيش المشترك والوحدة الوطنية.

فالتنوع الاجتماعي ليس مبررا للفراق والتشرذم بين أبناء الوطن الواحد. ووجود إشكالات وتحديات بفعل حقيقة التنوع الاجتماعي لا تجابه إلا بضرورة وجود مشروع وطني يرتفع فوق الجميع، من دون أن يجافي طموحاتهم ومشاعرهم المشروعة. وبهذا نتجاوز جميعا حالات التشظي السياسي والطوائفي، ونظرات التفتيت والتقسيم. وينبغي أن ندرك جميعا أن بإمكان الإنسان أن يجمع انتماءات متعددة في آن واحد، دون أن يؤدي هذا الجمع التكاملي إلى التشظي والفرقة. وذلك إذا توفر الأمن والأمان والعيش الكريم. أما إذا فقد الأمن وغاب العيش الكريم ومتطلباته، فإن العلاقة بين عناصر الانتماء تكون علاقة سطحية لا تتعدى الظاهر. وهي انتماء للجسد دون القلب والروح.

والاندماج الاجتماعي بين أبناء الوطن الواحد، مشروط بتوفر السلم والحرية وسيادة روح المواطنة الحقة. وإن المجتمع الذي يثير النعرات والانقسامات في وسطه، إنما يدمر شروط قوته ومنعته وتقدمه.

وإن علاقة المواطن بوطنه ليست من طرف واحد، بل هي علاقة تفاعلية متبادلة. يدافع المواطن عن وطنه، كما يحفظ الوطن أمن واستقرار وسعادة المواطن.

وفي رواية «الشياطين» يورد «دستويفسكي» أنه قرأ عن حياة رجل أمريكي، أوصى بترك ثروته الهائلة بعد موته إلى المصانع والعلوم الوضعية، وهيكله العظمي لطلاب الطب، أما جلده فطلب أن يصنعوا منه طبلا ليقرعوا عليه ليل نهار النشيد الوطني الأمريكي.

وهذه الحقيقة تدفعنا إلى التأكيد على النقاط التالية:

1 - ضرورة وجود وبلورة البرنامج الوطني الناضج، الذي يبلور خيار الوحدة والتعايش الاجتماعي، ويعمق قواعدهما في الوسط الاجتماعي. لأنه لا يمكن تحقيق مشروع التعايش بين أبناء الوطن الواحد عن طريق مجموعة من الأفراد المتباعدين. وإنما نحن بحاجة إلى قوى اجتماعية - وطنية ترى في الوحدة الوطنية والتعايش المجتمعي مشروع حاضرها ومستقبلها.

2 - ضرورة تغيير منطق التعامل والنظر إلى الأمور والقضايا. إذ أن من الأخطاء الجسيمة التي قد يرتكبها البعض، أنه يتعامل مع شأن السلم الأهلي بمنطق القطيعة وتصادم الانتماءات الموضوعية. لذلك يبقى شعار السلم الاجتماعي جافا ومجردا وبعيدا عن الواقع، لأنه تمارس ليل نهار تصرفات، وتتخذ مواقف، وينظر إلى أشياء بعين وبمنطق بعيد كل البعد عن منطق السلم الأهلي والتسامح الاجتماعي.

فالمطلوب دائما وأبدا إيجاد منطق سلمي في التعامل مع كل القضايا والأمور الوطنية. وإن الشيء الذي يجب تجاوزه لتحقيق مفهوم التعايش السلمي في الواقع الخارجي هو منطق الإلغاء وعقلية التميز الوهمية. لأنها هي التي تربي النفوس وتشحنها بأساليب الإلغاء والنفي.

3 - خلق البدائل الوطنية، ومن الطبيعي القول: أن هذه العملية صعبة ومعقدة وتحتاج إلى زمن طويل. إلا أن الخطوة الأولى التي تؤهلنا لصناعة البديل وإنضاج أفكاره، هي تعريف الذات تعريفا سليما وواقعيا. إذ أن النظرات الخاطئة التي يحملها الأطراف بعضهم عن بعض هي من العوامل الأساسية للتباعد والتناقض الواقعي بين التنوعات الموضوعية.

وينبغي في هذا السبيل أن نختار وسائل التعبير والتعريف الصحيحة، التي تجعلنا نرسم صورة واقعية عن ذواتنا والآخرين. ولا بد أن نبدع أساليب سلمية - ديمقراطية لتطوير مستوى التعايش الوطني ومجالاته.

والتعايش هنا ليس حقيقة ناجزة مغلقة ومكتفيا بذاته، وإنما هو إطار مفتوح تثريه كل الخطوات والمبادرات والإبداعات الإنسانية التي تتجه إلى إعلاء المشترك الوطني والإنساني.

«الأوهام، الأغلال، الرواسب».. قد تفسرها الذهنية المحافظة بأنها مفردات مراوغة تهدف إلى مشاغبة المقدس... كيف يمكن التعاطي مع هكذا طرح؟

إن هذه المفردات أو المصطلحات لا تستهدف مشاغبة المقدس، وإنما هي تعمل على تفكيك السائد الثقافي والاجتماعي، الذي يحول دون تفاعلنا الخلاق مع المقدس من جهة ومع المكونات الاجتماعية التي نعيش بينها من جهة أخرى. لأننا نعتقد أن الانطباعات التي نحملها عن بعضنا البعض، ينبغي أن تكون منسجمة وتوجيهات قيم الإسلام العليا التي تدعونا إلى اجتناب الظن. إذ يقول تبارك وتعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم «الحجرات، الآية 12».

فالآية الكريمة تحذرنا جميعا من تشكيل قناعاتنا ومواقفنا من الآخرين من خلال الشائعات أو الحدس أو سوء الظن والتخرصات.

لذلك فإن المطلوب في كل الأحوال ومن مختلف الأطراف: إزالة كل الرواسب والعناصر التي لا تؤدي إلا إلى تضعضع البناء الاجتماعي والوطني. وهذا بطبيعة الحال، لا يتأتى إلا بحوار داخلي عميق ومتواصل بين مكونات الوطن المتعددة، حوار لا يتجه إلى المماحكة والمساجلة، وإنما إلى الفهم والتفاهم. حوار لا يشرع للقطيعة والتباعد، وإنما يؤسس للتلاقي وتنمية المشترك الديني والوطني والإنساني. حوار لا يجامل ولا يداهن، ولكنه يؤسس للاحترام والاعتراف بالآخر دون التعدي على حقوق الآخرين وقناعاتهم ورموزهم وشخصياتهم.

إذا كان الجدل لا يتعدى العمل على إثبات تفوق الذات.. فأين يمكن إقتراح هامش للحوار في جغرافية تضج بصراعات وانساق استبدادية؟

إن الحوار مع الآخر لا يستهدف إفحامه أو إثبات تفوق الذات عليه، وإنما يستهدف توسيع المساحات المشتركة وسبر امكانات الواقع وفتح مجالات جديدة للتفكير والعمل.

فالحوار الذي ننشده ونطالب به، لا يلغي ضرورات الاعتزاز بالذات، ولكنه اعتزاز لا يصل إلى مستوى العصبية المذمومة، أو يكرس نظرة شوفينية واستعلائية للذات ضد الآخرين. إنه اعتزاز بالذات، لا يلغي متطلبات الوحدة وشروطها النفسية والأخلاقية. ولقد جاء في المأثور أن « العصبية التي يأثم عليها صاحبها، أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم ».

«الحوار السليم يبتعد عن المماحكات والسجالات العقيمة والتي تزيد من الجفاء والتباعد».. هل تتفق مع من يذهب الى ان تجربة التقريب بين المذاهب الحقت الأذى بفرص التواصل؟

من الصعوبة بمكان تقويم تجربة التقريب بين المذاهب الإسلامية في هذه العجالة، لأنها تجربة طويلة وعميقة وثرية، وتحتاج إلى دراسات معمقة ومستفيضة. وعلى كل حال فإن الأمن الاجتماعي والوطني اليوم، بحاجة إلى كل خطوة ومبادرة، تتجه صوب الآخر وتنسج علاقات إيجابية معه على أسس الحق والعدالة والمساواة. وإننا نفهم معنى الحوار والوحدة في الدائرة الوطنية، من خلال فهم معنى التلاقي والاحترام والتفاهم بين شرائح المجتمع ومكونات الوطن.

فالوحدة الوطنية ليست مجرد شعار ويافطة، هي رسالة ينبغي أن تتجسد في واقعنا، ولا يمكنها أن تتجسد وتبنى إلا بالحوار والتلاقي والتواصل والتفاهم والاعتراف بالآخر المختلف والمغاير. ووجود تجارب حوارية أو تواصلية ناقصة أو قاصرة في هذا السياق، يحملنا مسؤولية إضافية باتجاه الإصرار على خلق تجربتنا الوطنية المتميزة في هذا الإطار. وإننا ينبغي أن نبني إنسانيتنا وأوضاعنا على أساس أن لا نعيش الظلم والانحراف في أنفسنا وعلاقاتنا بالآخرين، لأن هذه هي بوابة الوحدة والأمن والاستقرار.

«الحوار لا يستهدف بالدرجة الأولى أقناع الآخرين بقناعات الذات وانما تعريفها الى الطرف الآخر».. ما جدوى الحوار الذي لا يستهدف الإصلاح وأي أصلاح يكون دون أن نتخذ الإقناع هدفاً رئيسياً؟

لا شك أن تعريف الذات تعريفا دقيقا وواقعيا، وبعيدا عن كل أشكال الجمود والنرجسية، هو جزء من عملية الإصلاح الثقافي والاجتماعي المطلوبة.

وحتى تنجح تجاربنا الحوارية، وتؤتي ثمارها الوطنية المرجوة، نحن بحاجة إلى التأكيد على النقاط التالية:

1 - الانخراط في مشروع الإصلاح الثقافي والفكري، لأنه لا يمكن أن ينجح الحوار والتواصل بين مكونات ثقافية تحمل في داخلها وتحتضن في مفرداتها بعض العناصر السلبية في العلاقة والموقف من الآخر.

وهنا أوجه دعوتي لكل الأطراف والمواقع لممارسة نقد ثقافي صريح وشجاع لموروثاتنا الثقافية والاجتماعية وبالذات فيما يرتبط والعلاقة من ومع الآخر. حيث لا يمكن نجاح الحوار وتفعيل مفرداته في الواقع المجتمعي بدون عملية إصلاح ثقافي وفكري، تتجه إلى مراجعة جادة وجريئة لمواقفنا من الآخر. حيث إننا جميعا في بعض عناصر ثقافتنا وموروثاتنا الشعبية، نحتضن موقفا سلبيا من الآخر المختلف والمغاير. ولا ريب أن النظرة الاصطفائية إلى ثقافاتنا وقناعاتنا المجتمعية، هي التي تحول دون الانخراط الجاد في مشروع النقد والإصلاح.

فالإصلاح الثقافي الحقيقي، شرط جوهري ورئيس لنجاح مشروع الحوار الوطني. إذ لا حوار فعال بدون نقد عميق لموروثاتنا الثقافية، التي ساهمت بشكل أو بآخر في تكريس الجفاء والقطيعة بين مختلف مكونات المجتمع والوطن.

2 - الموازنة بين نقد الذات ونقد الآخر، حيث أن العديد من الناس لا يحسن إلا نقد الآخرين وتحميلهم مسؤولية الفشل والإخفاق في العديد من الأمور والقضايا. بينما حقيقة الأمر إننا جميعا وبدون استثناء نتحمل مسؤولية واقعنا وراهننا. وإذا أردنا التحرر من هذا الواقع، فعلينا أن نمارس نقدا لممارساتنا ومواقفنا وأفكارنا، كما نمارس النقد لأفكار الآخرين وممارساتهم ومواقفهم.

وحيوية الحوار والتواصل دائما تنبع من عملية البحث الحقيقي الذي تبذله جميع الأطراف لمعرفة الحقيقة والوصول إلى صيغ عملية وممكنة وحضارية لإدارة الاختلاف والتنوع الموجود في الفضاء الاجتماعي والوطني.

والحوار في مستوياته المتعددة في الدائرة الوطنية، يتطلب وبإلحاح شديد، من جميع الأطراف والأطياف أن يفحصوا قناعاتهم ويراجعوا أفكارهم ويمارسوا بصدق عملية نقذ ذاتي، وذلك من أجل أن نتخلص جميعا من زوائدنا ومن رواسب التاريخ وأعبائه، وننطلق في بناء غدنا ومستقبلنا بعيدا عن الإحن والأحقاد والمواقف الجاهزة والمعلبة.

«الحوار هو خيارنا الوحيد».. «الحوار هو طريق إجلال الحقائق».. متى سينتهي تمجيدنا للحوار إلى طرحه واقعاً وليس إفتراضاً موهوماً؟

سنبقى في كل أحوالنا وظروفنا بحاجة إلى الحوار، لأنه سبيلنا الوحيد للتواصل والتعارف وإفشال كل مخططات الفتنة والتشظي والتجزئة. وتأكيدنا على مقولة الحوار، لا يعني عدم إدراكنا إلى ضرورة العمل وترجمة طموحاتنا الوطنية. وإنما هذا التأكيد ينبع من أهمية وضرورة بناء الأطر المؤسسية للحوار بكل مستوياته ودوائره.

ولقد علمتنا التجارب، أن غياب الحوار كاستراتيجية لتنظيم العلاقات بين مجموع التعبيرات والمكونات، يهدد الجميع بانقسامات وتشظيات تهدد الجميع وتدخلهم في دهاليز القهر والعنف المتبادل. وإن الضرورة الحضارية تفرض علينا وعيا مزدوجا لعملية الحوار والتواصل. وعي مستوى الحوار الثقافي والإنساني الذي وصلت إليه المجتمعات المتقدمة بين دولها وتياراتها ومدارسها الفكرية والفلسفية والسياسية. ووعي واقعنا الوطني وتلمس الممكنات الموجودة لانطلاق هذه العملية الحضارية والعقبات التي تحول دون ذلك.

ما طبيعة النقلة الذي حققها مشروع الحوار الوطني وهل ثمة خلل يصاحبه كمشروع وكتجربة إجرائية؟

لعل من أهم المفردات والقضايا التي حققها مشروع الحوار الوطني، هي إبراز قيمة الحوار والتواصل بين مختلف تعبيرات الوطن ومكونات المجتمع. ولكن الخلل الحقيقي الذي يعترض مسيرة هذه التجربة الوطنية، هو غياب البعد التنفيذي والتطبيقي للقضايا التي تم التوافق عليها في جولات الحوار الوطني.

وفي تقديرنا أن جولات الحوار الوطني، أنجزت الكثير على الصعيد النظري، وإن فعالية الحوار تتطلب البدء بعملية ترجمة الأفكار والتصورات التي تمكن المتحاورون من بلورتها وإنضاجها.

ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن غياب الجهد التنفيذي لمقررات الحوار الوطني، سيساهم بشكل أو بآخر في تراجع مستوى الاهتمام بهذه التجربة الرائدة. لهذا فإن المطلوب هو ترجمة مقررات الحوار الوطني عبر أطر ومؤسسات ومشاريع وبرامج وطنية تستهدف التطوير والإصلاح الدائم.

كيف تقيم مشروع الحوار والتحديث الذي طرحته مجلة «الكلمة» التي تدير تحريرها سيما أنها نهضت بالقضية العصرية لأكثر من أثنتي عشرة سنة.

مما لا شك فيه أن مجلة الكلمة، وهي مجلة فكرية فصلية وتعنى بقضايا وشؤون الفكر الإسلامي وقضايا العصر والتجدد الحضاري، استطاعت خلال عقد من العمل الفكري والثقافي والبحثي المتواصل، أن تساهم في خلق التراكم المعرفي والتواصل الإيجابي مع المهتمين بشؤون الفكر والثقافة والإبداع في كل الدول والمجتمعات العربية.

ولعل من أهم المنجزات الثقافية التي ساهمت مجلة الكلمة في إنجازها وبلورتها في الساحة الثقافية هي المنجزات التالية:

1 - منظومة جديدة من المفاهيم الثقافية والمعرفية، التي عملت المجلة وعبر أعدادها المتواصلة إلى بلورتها. ولعل من أبرز هذه المفاهيم والحقائق الثقافية [المثقف والمجتمع من القطيعة إلى التواصل - إنماء المجتمع الأهلي - حوار وتعارف الحضارات - مستقبل الثقافة الإسلامية في ظل ثورة المعلومات وتحدي العولمة - التعايش والسلم الأهلي - التنوع والوحدة - الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان] وغيرها من المفاهيم الثقافية التي تمكنت المجلة من بلورتها وإنضاجها معرفيا وفكريا.

2 - النهوض بحركة ثقافية جادة في الوسط الثقافي والإبداعي العربي، ورفد الواقع العربي العام بمقومات المنعة وأسباب القوة، عن طريق المشاركة في بناء حركة فكرية جادة وأصيلة، تنقد الأفكار لتطويرها، وتراقب المشروعات لبلورتها وغرس قيم التطور النوعي في مسيرتها.

وعلى كل حال فإن مجلة الكلمة من المجلات الثقافية والفكرية الرائدة، التي تمكنت من تعريف العالم العربي بالكثير من الكفاءات والطاقات الثقافية الوطنية، وأعادت الاعتبار للمشهد الثقافي والإبداعي والوطني.

ونعتقد أن المجلة لا زال لديها الكثير الذي تستطيع أن تقدمه إلى متابعي الثقافة والفكر والإبداع في الوطن العربي.