آخر تحديث: 21 / 10 / 2017م - 2:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

رجال خدموا ديرتي «2»... العلامة الشيخ جعفر الربح

في مقالتي السابقة أشرت إلى أن مجتمعنا تعوّد - مع الأسف الشديد - على تكريم من خدمه من الرجال والنساء وذكر محاسنهم في الغالب الأعم بعد انتقالهم للرفيق الأعلى، وبذلك لايُكرَّمون هم بل ربما أولادهم  وورثتهم أو أحفادهم، وبذلك يُحرمون من تقدير المجتمع لما بذلوه من جهد ووقت، وبذلوا الغالي والنفيس لأجل خدمة الناس.

الشيخ جعفر الربحوشخصيتنا في هذه المقالة التي نريد تسليط بعض الضوء عليها هي شخصية متميزة. هي العلامة الشيخ جعفر محمد الربح «أطال الله بقاءه»، ومع أن شهادتي فيه مجروحة كما يقولون، ولكن أجد نفسي مضطرًا لسرد جزء بسيط من سيرته المباركة؛ فإنه لم يقم بذلك أحد من قبل، مع عظيم خدماته للمجتمع القطيفي عمومًا والعوامي بوجه خاص.

والغوص في سيرة مثل هذه الشخصية يتطلب كثير من الجهد والتقصي خصوصًا إن أردنا تغطية كل الجوانب بما فيها الحوزوية.

ولكون هذه المقالة المختصرة هدفها فقط تسليط الضوء على  الخدمات التي قدمها للمجتمع العوامي على وجه الخصوص وشذرات من خدماته لمجتمع القطيف بشكل عام؛ فسيتم التركيز على هذا الجانب ونترك بقية الجوانب للمستقبل، إن أعطانا الله العمر والاستطاعة.

سماحة الشيخ جعفر الذي يتصف بحدة الذكاء وقوة الذاكرة  يعتبر من أوائل طلاب الحوزة المتميزين الذين يُشار إليهم بالبنان وبالتفوق حتى في فترة الدراسة النظامية؛ فهو الطالب الذي أتم متطلبات الدراسة  الثانوية منتظمًا في مدارس القطيف، وبعدها مباشرة قرَّر قبل قرابة أربعة عقود التوجه للدراسة الحوزوية المباركة لينهل من علوم أهل بيت النبوة والإمامة منتظمًا في أكثر من حوزة علمية في النجف وقم المقدستين، إضافة لأساتذته في القطيف، وختمها لاحقًا بتدريسه في الحوزة العلمية بالقطيف، وهو يعتبر من أوائل مؤسسيها حسب النظام التعليمي الحديث، وبفضله ومجموعة من فضلاء الحوزة بالقطيف أصبحت الدراسة فيها ذات تنظيم عالٍ.

ومن الصعوبة بمكان سبر سيرة هذا الرجل العلمية العالية فذلك سيتطلب الكثير من البحث ولا أبالغ إن قلت إن سيرته تحتاج إلى كتاب مستقل؛ فهو عالم دين وفي الوقت نفسه يملك فكرًا وأسلوبًا مستقلًا يمكن دراسته والاستفادة منه، سواء من طلاب الحوزة أو الفكر أو الباحثين الاجتماعيين.

وسوف أسرد في النقاط المختصرة التالية أهم الخدمات التي قدمها سماحته:

1» يعتبر سماحته من أوائل من أحيا صلاة الجماعة في العوامية بانتظام منذ أكثر من ثلاثة عقود، وظل يؤم معظم الصلوات يوميًا مع إنه  يسكن في حي التركية بالقطيف، ومع ذلك لم يكن ذلك مانع له، بل كان هو الحريص دائمًا على إقامتها ليس فقط لكونها مستحبًا مؤكدًا، بل لأنه كان يشعر أنه بذلك يحافظ على وحدة الكلمة وتقوية الأواصر بين أهل البلدة، ولم ينقطع عن المجيء للعوامية إلا في الفترة الأخيرة بعد احتمال تعرض حياته للخطر نتيجة للظروف الأمنية غير العادية بالبلدة.

2» ألقى سماحة الشيخ في أثناء هذه الفترة الطويلة الكثير من البحوث الفقهية والعقائدية والتاريخية المعمقة، وقد استفاد رواد الصلاة من بلدة العوامية استفادة عظمى مكنتهم من توسيع مداركهم في مختلف الحقول، إذ يتميز أسلوب سماحته بالتشويق والمتانة العلمية، ويجبر ذلك المستمع للحضور والمتابعة، وكثير منها مسجل ويمكن الاستفادة منه لكونها مادة علمية للباحثين.

3» يعتبر سماحته من أوائل المهتمين بالحرص على تنشئة وتربية جيل الشباب، وله بحوث متعددة في هذا المجال، وقد أسس مهرجانًا ثقافيًّا رمضانيًّا  سنويًّا للشباب بالبلدة، ولا أبالغ إن قلت إنه كان سباقًا في هذا المجال على مستوى المحافظة، وعبر هذا المهرجان ألقيت العشرات من المحاضرات في أكثر من حقل علمي استفاد منها كثير من شباب البلدة وآخرون من نواحي القطيف، وقد استمر لعدة سنوات، توقف بعدها، وكنا نتمنى استمراره، وإن شاء الله مع عودة الهدوء للبلدة يقوم الشيخ  بمواصلته من جديد.

4» أسس الشيخ «وفقه الله» وبمعية والده «رحمه الله» قبل أكثر من عشر سنوات مشروع هدية العيد الذي يُعنى بتقديم مبلغ مقطوع للأسر المحتاجة قبل حلول عيد الفطر المبارك بالتنسيق مع الجمعية الخيرية، وقد أدخل هذا المشروع المهم ومازال السعادة والسرور على المئات من الأسر الفقيرة، ومع أنه يخدم  معظم بلدات القطيف إلا أن لبلدة العوامية عناية خاصة؛ كون انطلاقة المشروع كان منها.

5» سماحة الشيخ يعتبر من أوائل المؤسسين لصندوق الحقوق الشرعية بالقطيف منذ ما يزيد عن خمسة عشر عامًا والذي بفضله تم تقديم المساعدة للكثير من المحتاجين وبالتنسيق مع الجمعيات الخيرية بمحافظة القطيف.

6» أسس سماحته في مسجد الإمام المنتظر مشروع كفالة الأيتام عن طريق اشتراكات رواد المسجد، وهو بذلك سبق الجميع في هذه الفكرة الخلاقة، وبفضل ذلك كان يتم تقديم الكفالة لأكثر من خمسة عشر يتيمًا، ولم يتأثر المشروع إلا في الفترة الأخيرة، بسبب الظروف الأمنية التي مرت بها العوامية. ومن الجيد الإشارة إلى أن سماحته يعتبر من أقوى الداعمين ماديًّا ومعنويًّا وتوجيهًا للناس في دعم مشروع كافل اليتيم بخيرية العوامية، وبفضل دعم أمثاله من الفضلاء استطاع المشروع أن يخطو خطوات رائدة على مستوى المنطقة.

7» يعتبر سماحة الشيخ  داعمًا ماديًّا ومعنويًّا مهمًا لكل من الجمعية الخيرية ولنادي السلام بالعوامية، ويفتخر النادي دومًا بتشريف سماحته وحضوره معظم مناسباته، وماذلك إلا من أجل اهتمام سماحته بفئة الشباب وضرورة إعطائهم الاهتمام الكافي على مختلف الصعد، وما النادي إلا أحد وجوهها.

8» كان سماحته من المهتمين بعمق الأزمة الأمنية بالعوامية وعن ضرورة حلحلتها بشتى السبل، ولم يترك سبيلًا ممكنًا إلا سلكه، كل ذلك للتخفيف عن الناس وحماية أمنهم وسلامتهم، وقد ألقى كثيرًا من الخطب المعمقة في هذا الاتجاه، وقد تميزت بقوة الحجة وإعطاء الحلول الممكنة ليسمعها المواطن والمسؤول. تجدر الإشارة إلى  أن كثيرًا من مسؤولي الجهات الرسمية كانوا حريصين على الاستماع لخطبه والاستفادة من توجيهاتها القيمة فيما يخص حلحلة الأزمة.

9» بدعم ومساندة مجموعة من المهتمين من البلدة فقد سلك الشيخ أسلوبًا متميزًا في تقديم  المناصحة - حسب الإمكانيات المتاحة - لمن تمكن من التواصل معهم من الشباب الذين تمت مصادرة عقولهم وأفكارهم، وقد استطاع تحييد بعضهم، في حين أصر آخرون على  العناد للأسف الشديد، وقد أدخل هذا العناد البلدة في أتون أزمة أمنية خانقة انتهت بالأحداث الأخيرة المؤسفة، التي على إثرها تشرد عشرات الآلاف من الناس خارج العوامية ودمرت كثير من أملاكهم.

10» قدَّم سماحته «وفقه الله» في أثناء أزمة العوامية التي امتدت أكثر من ست سنوات عدة مبادرات مهمة، هدفها حلحلة الأمور، واستطاع بفضل هذه المبادرات تخفيف الضغوط على أهل البلدة، ولولاها  لكان الوضع أصعب على الناس.

 11» وجه سماحته وبمعاونة زملائه في مجموعة ”زكا“ بالعوامية واللجنة الأهلية للتنمية ”ندى“ اللتين تأسستا بالعوامية منذ أكثر من أربع سنوات بنشر الكثير من البيانات الاستنكارية والتي كانت توضح للجهات الرسمية عدم رضا الغالبية من أهل البلدة بما يجري فيها، ويطالبون بإحلال الأمن والهدوء  فيها أسوة بباقي مدن وبلدات الوطن الغالي وتنشيط المشاريع الإنمائية المجمدة بالبلدة نتيجة لأوضاعها، وكذلك تابعتا أكثر الملفات سخونة، لعل أهمها ملف إغلاق المدرسة المتوسطة بالعوامية والذي كان على إثره حُرم  أكثر من 450 طالبًا من الدراسة بالبلدة  نتيجة لانعدام الأمن،   وبالمتابعة الحثيثة فُتحت المدرسة مجددًا، إضافة لمتابعة كلتا اللجنتين لملفات متعددة في البلدة.

12» كانت للشيخ «رعاه الله» توجيهات وآراء سديدة أثناء الأزمة الأمنية الخانقة التي حدثت في الفترة الأخيرة بالعوامية، وسببت تشريد أهلها، وبعمله الدؤوب مع زملائه الناشطين والأعيان من البلدة تم تأسيس الكثير من اللجان الأهلية التي عملت ليل نهار لمساعدة الأهالي، وقد قدم الشيخ الدعم المعنوي والمادي غير المحدود لها خصوصًا لجنتي إيواء وغذاء؛ ما مكنهما من أداء المهام  على أكمل وجه.

وأخيرًا، هذه جملة من أعماله، وبقي أمور تبرز وجه الشيخ الحقيقي يصعب حصرها،   ولتفادي الإطالة على القارىء الكريم، حرصت في  هذه المقالة على تسليط بعض الضوء على القليل منها، وإلا فهي كثيرة، وقد يسعفنا الحظ مستقبلًا لإيفائها حقها، والحديث عنها بإسهاب.

ندعو الله أن يديم على الشيخ العزيز التوفيق والسداد ويحقق أمانيه، وينعم عليه بالصحة والعافية وطول العمر،   لينعم مجتمعنا بخدماته الجليلة إن شاء الله.