آخر تحديث: 13 / 12 / 2017م - 5:12 ص  بتوقيت مكة المكرمة

منهاج السالك الحسيني «14/الأخير» التطبيق والنشر وخَطَرٌ خفي

أمين السعيدي *

توصيات للمستمعين عامّة

فأول التوصيات كان الغَرَض. وقد مضى منه: 1 - ضرورة التّفكّر فيه وتحديده. و2 - تشخيصه. و3 - توجيهه. و4 - الإخلاص فيه. والإجابة على التساؤل: هل للإخلاص حدود وتفاصيل يمكن معرفتها؟ و5 - السَّير نحو تحقيق الغرض. وكيفيّة الضَّبْط.

وثاني التوصيات كان التزود. وثالثها كان اختيار الأفاضل واجتناب الشبهة. والإجابة على تساؤل: لِمَن نَستمِع؟ وهل نَقتصِر على الحضور لجهة محدَّدة من الخطباء والمحاضِرين..؟ ثم أشرت إلى وجود مَصائد شيطانية كثيرة تَنتظِر السالِك على طريق التَّحقُّق عن الخطيب اللائق للاستماع والتعلم منه، فتعرضت لاثنتين منها بحاجة لتَوجُّهٍ كثير؛ كانت أُولاهما على صَعيد مَسار الشأن الحياتي، وثانيتمها على الصعيد المَعرفي والعِلمي. كما أشرت لأحكام الاستماع خَلْف الشاشة. وكان رابع التوصيات النَّظْم والسجاىا والممارَسات المعاکِسة. وإخراج الطعام خارج محدوده والأكل والتعلم من الحرام وتخوين الفضائل. وفيما يلي:

خامس التوصىات: تطبيق المعلوم: -

استَمَعْت؟ تَعلَّمْت؟ هَيّا اعمل؛ فالعِلم بلا عَمَل كبيتٍ وُضِعَ السِّراج على ظاهِره؛ فهو مُنِيرُ الظاهِر مُظْلَمُّ الباطن. إنَّ أَكبَر مَشاكلنا لىس الجهل، وإنما عدم العمل بالعِلم؛ فكل إنسانٍ له حَظٌّ من العِلم مخزونٌ في عقله يُمَيِّزُ به بَيْنَ الحَسَنِ والقبيح، هذا المقدار من العِلم المخزون في عقله يَكفي لأن يَكون مُصَوِّباً عملياً عامّاً وحُجَّةً على كل فردٍ مُدْرِك. يقول أمير المؤمنين :

«فإنّما البَصِيرُ مَن سَمِعَ فَتَفَكَّرَ ونَظَرَ فأَبصَرَ وانتَفَعَ بالعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً واضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعةَ في المَهاوي والضَّلالَ في‏ المَغاوي، ولا يُعِيْنُ على نفْسهِ الغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ في حَقٍّ أو تَحريفٍ في نُطْقٍ أو تَخَوُّفٍ مِن صِدْق‏» [1] . ولكي ىَجعل المستمِع قاعدة تطبيقيّة مُىَسّرة لنفسه لتطبيق العِلم ىَحفظها بسهولة ويستفيد من ثمَراتها العظيمة؛ يتَّبع السلوك العملي التالي:

عندما تَجلس في مجلس العِلم للاستماع إلى مَوعظة الخطيب قِسْ على ذاتك ما يقول، لا يَذهب ذهنك لقياس ذلك على غيرك، أنت عليك أن تقِىس الكلام أولاً على نفسك، عليك أن تتدبر فيه، هل يَنطبق عليك؟؛ إذا قال مثلاً «هنالك من يُعِيْنُ الظَّلَمة أو هنالك من يَتسبب بالفتن ويُغَذِّي روح التمزُّق، وهؤلاء ليسوا على جادة الصَّواب، وعليهم مراجَعة أنفسهم وتغيير مَسار أفعالهم ليَكونوا فعَّالين في المجتمع بما يُصْلِح النِّظامَ والحياة الآخرة»؛ فلا تَقُل في نفسك: هاه، كلامه صحيح، الجماعة الفلانية أو الشخص الفلاني يَنطبق عليهما هذا الكلام تماماً، إنها إذاً حَقاً جماعة مُفسِدة..

فأنت بهذا السلوك من التفكير تَكون قد خُدِعْت وأَعَنْت الغُواية على نفْسك؛ لأنّك تَركْت النَّظَر إليها أولاً وذَهب ذهنك إلى الآخرين مُتَعَسِّفاً في حالهم متهاوِناً في حالك، بينما الصحيح هو أن تُطَبِّق الكلام عليك أولاً فتَتساءل: هل هذا الكلام يَصْدُق علَيّ؟ هل أنا من هذا النموذج السلبيِّ الخاطئ الذي نَفَرَ طَبْعي منه أو الذي يَتعارض مع الاستقامة والصَّلاح؟ اذهب مباشرة لذاتك أولاً، قِسْ عليها، ولا تَتَهَرَّب أو تَخَف مِن تَصارُحِك معها ولا تُحَرِّف لها واقعها، استغِل التفاتَتك فإنّ التَّوَفُّق للالتفات للنفس ظَفَرٌ عظيمٌ جداً، فحاسِبها قبل أن تَتكدَّس في قلبك وعقلك ظُلَمُ الخطايا والانحراف فلا تُوَفَّق فيما بَعْد للالتفات والتَّبَصُّر وتُحْرَم حتى من نعمة حضور مَجالِس العِلم بعد أن اختارك الله مِن بين ملايين الخَلق لحضورها والتعلم، حاسِب نفسك كي تنجو «فالاعتبار يَقودُ إلى الرَّشاد[2] ، مَنِ اعْتَبَرَ حَذِرَ[3] ، اعْتَبِرْ تَزْدَجِرْ[4] ، الاعتِبارُ يُثْمِرُ العِصْمةَ[5] »، هكذا تَسير نحو الكَمال.

سادسها: النشر وعدم التوقف عند حد التطبيق الشخصي: -

استَمَعْت؟ تَعلَّمْت؟ عَمِلْت؟ هَيّا زَكِّ عِلمك ف﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى[الأعلى 14]، و«زكاة العِلمِ إنفاقه»، الإنفاق العملي قبل القولي؛ هذا الإنفاق أمانة تَتطلب الوَفاء والصِّلة بها لمن يحتاجها، قال سيّد الأحرار علىه الصلاة والسلام: «الوَفَاء مُروءة، والصِّلة نعمة» [6] .

واعلم أنك، لتزكية العِلم، لا يجب أن تَكون خطيباً أو إمام مسجدٍ أو مرتدياً لباسَ رجلِ الدِّين أو طالبَ عِلمٍ مختص..؛ فكلٌّ مِن حيث مَوقعه يَعمل دون تجاوزٍ بإفراطٍ أو تفريط؛ فإنّ الإفراط والتفريط رَضَعا مِن ثَديٍ واحد، فكما أن التفريط باطل كذلك الإفراط باطلٌ فاحذرهما. عَلِّم أولادك، علِّم زملاءك، علم أصحابك في مَجلسك ومَجالسهم، وعلى صفحاتك الاجتماعية، فوسائل التواصل بحمد الله باتت متاحة للجميع ولا تتطلب منك غير استثمارها بشكلٍ صِحّيٍّ ونافع، وإذا كنتَ مثلاً صاحِب صَرْحٍ كصحيفةٍ مَعرفية أو قناةٍ خَبَريّة.. فلا تَبخل بها، ساهِم بالعمل والتعليم والنشر وإن لم تَكُن صاحب قلم، استغل إمكاناتك فإنها فرصةٌ ثمينةٌ مِن الله لك لِحَصْدِ التوفيقات الدنيوية والزاد الخالد؛ إنك بعد الرحيل عمَّن حوْلك ومغادَرة هذا العالَم الفاني ستَكون في جُبِّ النِّسيان ككلِّ مَن رحل من الماضين وسيوافيك يومٌ تَلْهَثُ فيه وراء الحسنة الواحد تتمنى لو حَصدْتها وتَتأسَّف على تفويتك لها؛ فلا تَجعل التعليم والدِّين آخر همكَ وتجارتك فإنهما خيرُ صَدقةٍ لِما بعد الموت، ولا تساوي أهل العِلم بمن هم أدنى منهم ﴿أَتَسْتَبْدِلونَ الذي هُوَ أَدْنَى بالذي هُوَ خَيْر![البقرة 61] قال تبارَكَتْ أسماؤه:

﴿الذِينَ إن مَكَّنّاهُم في الأرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأَمَروا بالمعروفِ ونَهَوا عَنِ المُنكَر[الحج 41]، وقال مولانا الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه: «إنّ حوائجَ الناسِ إليكُم مِن نِعَمِ اللهِ عليكم، فلا تَمَلّوا من تلك النِّعَم فتَعود عليكم نِقَماً» [7] ، «.. فلا تَمَلُّوا النِّعَم فتَتحوَّل إلى غيرِكم» [8] ، وفي خبرٍ عظيمٍ عن إمامنا جعفرٍ الصادق - وكُل أخبارِهم عليهم الصلاة والسلام عظيمة - قال:

«قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: مَن عَرَفَ اللهَ وعَظَّمَهُ مَنَعَ فاهُ مِنَ الكَلامِ وبَطْنَهُ مِنَ الطَّعامِ وعَنَّى نفْسَهُ بالصِّيامِ والقِيَامِ. قالوا: بآبائِنا وأُمَّهاتِنا يا رسولَ اللهِ هَؤُلاءِ أَولياءُ الله؟ قال: إنَّ أَولياءَ اللهِ سَكَتُوا وكانَ سُكُوتُهُم ذِکْراً، ونَظَرُوا وكانَ نَظَرُهُم عِبْرَةً، ونَطَقُوا فكانَ نُطْقُهُم حِكْمةً، ومَشَوا وكانَ مَشْيُهُم بَيْنَ الناسِ بَرَکَةً، ولَوْلا الآجالُ التي کُتِبَتْ عَلَىهم لَمْ تَقِرَّ أَرواحُهم في أجسادِهم خَوفاً مِنَ العذابِ وشَوقاً إلى الثَّواب» [9] .

أيها العزيز، أَحكي لك سِرّاً عظيماً فاسمع؛ هنالك كثيرٌ من الذين تَعبوا وسَهروا في تحصيل العلوم العالية والغزيرة، ثم نَسوا علومهم، لا لشيء سوى أنّها بَقِيَتْ في بواطنهم وأَجوِفَتِهم، لم يُنفِقوها؛ هذا السِّرُّ سِرٌّ عظيم. بينما أمير المؤمنين سلام الله عليه في العكس يقول: «العِلمُ يَزْكو على الإنفاق» [10] ؛ أي كلما أنفقتَه زادَ وتَوالَدَ وتَعاظَمَ وتَجَذَّرَ في النفس.

خَطَرٌ خَفي:

واحذَر كُلَّ الحَذَر، أن تَكون مُبَلِّغاً للعِلم..، فترى آخر يَعمل في نفس الهدف أكثر مجهوداً منك؛ فيصيبك ما يصيب الكثيرين مِنَ الداءِ الخفي، هذا الداء الخفي قادرٌ على أن يدَمِّر كلَّ مَصِيرك وأتعابك الكبيرة والكثيرة، فعاجِلْه بالتدمير كلّما انشَعَب في قلبك قبل أن يَمْحَق الله أعمالك بفعل هذه السلوك الفاسد، خاطِب نفسك - حتى لو فَرَضْنا أن هذا المُبَلِّغ لم يَكُن أكثر تفوُّقاً منك مِن حيث المعلوم - قل لها:

هذا الإنسان العامل هدفُه نفسُ الهدف الذي أَسمو إليه، فهو مساعِدٌ مهمٌ لي على تحقيق هدفي المنشود، فلماذا أَفْعَل ما يَتعارض مع هذا الهدف إن كان حقاً هدفي تعليم الآخرين ونِيَّتي في التعليم نَقِيَّةً مِن الشوائب؟ لماذا حسدتُ وكرهتُ هذا المؤمن لسبب أنه يَعمل أو أكثر عملاً مني! الجدير بي أن أَفْرَح لا أن يَحْصَل لي هذا الشعور الفاسد ويَصدر مني هذا السلوك المحارِب لله ودِينه وعُمّالِه.

وقد يَكون أشد مِن هذا السلوك مصيبة أن يَكون الإنسان خاملاً، فإذا رأى غَيره يُقَدِّم حارَبه وقَذَفه بالتُّهَم العِلميّة، فإن لم يَكُن أهلاً للعِلم فلَم يَتمكّن مِن قَذْفه بالتُّهَم العِلمية قَذَفه بالتُّهَم الأخلاقية كأنْ يَنسِب نَشاطه للغُرور وما شاكل..؛ فلا هو يَعمل ويواجِه المسؤولية ولا هو إذا رأى غَيره يَعمل تَرَكه يَسترسِل في عطائهِ ونَشْرِ الخير!

ختاماً:

اجعل مِن الاستماع لمَجالس الذِّكْر ومِن كل عاشوراء بداية للتَّحَوُّل، في كل مَرّةٍ اجعله بداية للتحول، لكن كيف تجعله في كلِّ مرةٍ بداية؟

اعلم أن السَّيْر نحو الكَمالِ درجات، فأنت إذا جَعلْت كلَّ مرةٍ بداية للتَّراكُم، تُراكِم مِن خلالها الآتي على ما حقّقْته في المرة السابقة أو في المَوسم العاشورائيِّ السابق فستَصِل حتماً للكَمال في نهاية المَطاف، وهذا هو الذي يريده لنا الدِّين وهذا هو فلسفة وجودنا وسَيْرِنا والغَرَض مِن انوجادنا هنا.

أسأل الله تعالى لي ولك المغفرة والثَّبات على الولاية العظمى، وأن يَتقبَّل مِن عبدِه هذا المُذْنِب قليلَ عملِه وأن يفك به أَسْرَي عن البُعد ورقبتي من النار على أمل اللقاء مع الجزء الثاني في موضوعٍ آخر بموسمٍ عاشورائيٍّ قادم.

[1]  نهج البلاغة، صبحي صالح: خطبة153 ص213.
[2]  انظر الكافي، للشيخ الكليني: ج8 ص22.
[3]  غرر الحكم ودرر الكلم: ص472.
[4]  المصدر السابق.
[5]  المصدر السابق.
[6]  انظر ميزان الحكمة، للريشهري: ج4 المروءة ص2879.
[7]  شرح إحقاق الحق، للسيد المرعشي: ج11 من كلامه ص591.
[8]  بحار الأنوار، للعلامة المجلسي: ج75 ص127 ر11.
[9]  مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، للمرحوم الطبرسي: ص61.
[10]  معراج نهج البلاغة، لعلي بن زيد البيهقي المتوفى 565 هـ : حكمة72 ص431 ر2070.
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com