آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 9:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

لونُ الأرض

صباح معتدل...

كنتُ أسأل نفسي وأنا صغيرٌ لماذا لون أبي يشبه لون الأرض؟

تجربتي في إصلاح قطعةٍ صغيرة جدًّا بالمقارنة بما كان يرعاه علمتني بعضَ أسراره:

أولًا: إن لونَ أبي لم يكن أسمر بل كان أقربَ منهُ إلى اللون الأبيض عندما يستريح. أراهُ بيدين عاريتين وقامةٌ منتصبةٌ بعد ما انتصف عمرهُ يزرع أرضه، لوحته الشمس في معظم حياته فاختفى الأبيضُ وامتزجَ لونهُ بلونِ الأرض التي كان يزرعها بيديه حتى اتحدا.

ثانياً: لم يكن همه لونه أو تجاعيد وجهه، بل كان همه أن يسقيَ الأرضَ بالماء وبعرقِ جبينه فمن يصلح الأرض كمن يربي الوليد، يراه يشب يوما بعد يوم ويتلون كما الفصول من الأخضر إلى الأصفر وغيرها ويكبر ويُنتج، كل ذلك مع معاناةٍ لأمه وأبيه. كان يرى فيها الحب والشرف، حبٌّ ينسيه آلامَ العملِ وشرفٌ يغنيه عما في يدِ غيره.

ثالثًا: لا بد من علاقة وثيقة تربط الأرض والإنسان الذي يروضها ويعشقها فتعشقه بالمقابل وتعطيه بلا حدود. يقصر الفهمُ عن إدراك سر تلك العلاقة فهو يُخلق منها ويعيش عليها وبسببها ويُدفن فيها حيث يعود جزأً منها وبالأخص تلك التي ولد عليها فكم من أرضٍ يألفها الفتى في مراحلَ من حياته ولكن حنينه دوماً لأول أرضٍ استقبلته، إن خارت قواهُ تراه يهبُ أبنائه لها ليأخذوا مكانه.

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبداً لأول منزلِ

رابعاً: الأرض خرساء ولو نطقت لاشتكت من الجور والعقوق الذي ألحقهُ بها أبناءها فلم يكتفوا بإهمالها بل طمروا نفاياتهم فيها واستنفذوا ما في باطنها من ماءٍ كانت يوماً ما طافحةً به وجمعته في آلاف السنين. سرقوا مالهم وما لمن سيأتي بعدهم من نفائسها وخيراتها.

كان عشقُ والدي لأرضه أكبرَ من أن أرويهَ في سطور ففي مثل هذه الأيام من كلِّ عام أراه أسعدَ ما يكون بنخلهِ وزرعه وهكذا حال كل من عشق. لا بد أن خواطر الفرح والحزن تنتقل في الأثير الغير منظور، تصيب بالعدوى من حولها، حيث كنا نتبعه أين ما مشى كأنما نتنفس تلك الأحاسيس ولا نراها1

مكانانِ ينام فيهما المرء مستأنساً آمناً، الأرض وحضن الأم، فإن فقدتَ واحداً فلا تفرط في الثاني ولكن للأسف، مع اشتداد مآسي أمتنا العربية فقد الكثيرون الأرض والأم ومنهم من باع أرضه بثمنٍ بخس أو غادرها عند أول فتنة وما يثلج الصدرَ أن في الأمةِ أيضاً من اشترى الأرض وفدَّاها بدمه ولم يغادرها إلا لها والمفارقة أن الأرضَ تحتضن كليهما، العاق والبار…

بلادي البعيدةُ عني… كقلبي

بلادي القريبة مني… كسجني

لماذا أغني؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ابو محمد
[ QTF ]: 16 / 10 / 2017م - 8:16 م
مقال جميل .. بانتظار المزيد من كتاباتك

شكرا لك
مستشار أعلى هندسة بترول