آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 9:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الذاكرةُ المؤلمة

يوم حار..

كما الأشياء التي تشتريها وتعتاد عليها فتعرفَ تماماً متى تعمل بصورةٍ سليمة ومتى هي غير ذلك، كذلك جسمكَ الذي ولدتَ به وعشتَ معه منذ خلقتك، فأنت تعرفُ بالضبط متى ما يكون بأتمِ أداءه ومتى ما هو معتل.

تزدحمُ الذاكرةُ بأشياءَ قديمة لا تستطيع التخلص منها فتذكر الطفلَ البغيض الذي لا ينفك عن مضايقتك في الصف وفي الملعب وخارج المدرسة، تذكر لون دراجتك الأولى، رقمك الجامعي، رقم أول هاتف حصلت عليه في بعثتك الدراسية، رقم لوحة سيارتك الأولى، رقم هاتفك الذي استقلت منه أو تقاعدت عنه وغيرها مما هو جزء من الماضي، ولكن عندما تريد تذكر الشخصِ الذي انضم إلى فريق عملك قبل أيام والتقيتَ به مرات فلا تستطيع، فتكتفي بمناداته ”يا أبو الشباب“. تزول الذاكرةُ كالفي وتتبدد كالسحاب، تتذكر كارتر وريجان وكلينتون ولكن تعصرَ ذاكرتك لتعرفَ الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية وبعد جهد وبمساعدة صديق تتذكره فتقول:

That ah، Trump?

لنكن جادين، ذاكرة المآسي في الشرق الأوسط تكاد تمتلئ بأرقام وأحداث غير سعيدة كالحروب التي عاصرتها في عمرك القصير، وكم عربيٌّ قتلَ عربيَّاً وأسماء الجماعات الإرهابية والهزات الاقتصادية والمشاريع الفاشلة لم يترك مساحة كبيرةً في الذاكرة لأسماء أو أحداث جديدة تطرب لها الروحُ فتستجيبَ الذاكرةُ لنداء الروح على ضعفها وتَحْفظها كما حَفِظت القديمَ من الذكريات.

يذكر التاريخ أن في العرب من كان يحفظُ ما يسمع من الشعرِ من أول مرة وغلامُهُ من مرتين وجاريتهُ من ثلاث، لكن لم يكن المذكور محكوماً لتمتلئَ ذاكرتُه بما يؤلمها فكان لها من القدرة على التذكر ما كان. إليك بعضَ ما خسرتَ ولا تزال في السنوات الأخيرة وأخذ حيزاً من ذاكرتك:

أثرت الحربُ على ما يعادل ثلثَ سكان منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا «87 مليون شخص»، بالخصوص سوريا وليبيا والعراق واليمن وتأثرت كل مناحي الحياة فيها بسبب الصراعات. دمرت المباني والطرقات والجسور والمدارس والمستشفيات والمصانع في مناطق الصراع مما كلف مئات المليارات من الدولارات ولكن التأثير الأقوى كانَ على الناس فتركوا أماكن سكناهم ونصف الشباب الذي هو في عمر المدرسة أصبح بدونها والنصف الآخر لم يستطع الحضور بسبب الحرب مما يعني ضياع جيلٍ بالكامل. الأرقام مذهلةٌ عن الفقر والبطالة وانخفاض متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي وإهمال الزراعة في مناطق الحروب وتوقف عجلة النمو الاقتصادي.

حتى لا تصاب بالكآبة أذكر لك طرفةً تمثلُ الوضع العربي الحالي حيث اشترى جارٌ لنا سيارةَ نقلٍ في أواخر السبعينات من القرن الماضي فلم تعمر معه سوى أيام وتضررت بسبب حادث حصل له. لاَمَهُ الناسُ فقال لهم، أنتم لا تعرفون تعقيد الوضع، فهناكَ دواسةُ وقود وأخرى للمكابح وأزار أضواء ومفاتيح نوافذ وأبواب وإشارات إضاءة جانبية ومُنبِّه، فأيٌّ منها علي الانتباه له كل الوقت؟

لا بد للعالم العربي من جراحةٍ حيث يتمكن من قص الجزء المؤلم من ذاكرته لينمو بدلاً منه جزءٌ يفيضُ بأرقامَ مرتفعة من إنتاج محلي وتوظيف وعدد الطلاب ومشاريع البناء والبحوث العلمية وكل ما يمكنه من الخروج من أعماق الظلمة الحالية ليزرعَ الزهورَ بدلاً من الحسك والسلمَ عوضاً عن الحرب والحياةَ بدلاً عن الموت.

هل تتذكر عنوان المقالة؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
سيهاتي
[ سيهات ]: 20 / 10 / 2017م - 11:27 ص
نسيت عنوان المقال
2
تعليق١
[ القطيف ]: 20 / 10 / 2017م - 2:47 م
مقال جميل
3
Dr.Athar Alwaheed
[ المملكه ألعربيه السعوديه،الرياض ]: 20 / 10 / 2017م - 7:12 م
مقال رائع وكلمات معبره جدا سلمت يمناك
4
نبيل المرزوق
[ المنيرة ]: 20 / 10 / 2017م - 9:56 م
المقال جميل جدا، نعم ذاكرة الانسان العربي بالتحديد أصبح من الصعب عليه تخزين كل هذه الاحداث المؤلمة التي تحدث في الوطن العربي، يكفي ماهو عليه من هموم متراكمة كبحث عن وظيفة، او علاج لأبنته، او سكن آمن له ولأسرته ومن المؤسف ان في نهاية المطاف قد نسينا عنوان المقال،،،
مستشار أعلى هندسة بترول