آخر تحديث: 22 / 11 / 2017م - 12:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

ظاهرة القراء الشباب

محمد الحرز صحيفة اليوم

في جلسة حوارية، لفت نظري أحد الأصدقاء، حين تساءل مستفهما بماذا نفسر ظاهرة الإقبال من الشباب على القراءة في جميع التخصصات: الفكرية والفلسفية والأدبية والاجتماعية والدينية والعلمية والتربوية، بشغف منقطع النظير، دون الميل إلى إحداها حتى بعد اكتساب النضوج العقلي والخبرة الحياتية في التعامل مع مكتسبات القراءة بشكل خاص والثقافة بشكل عام؟

وهو يدلل على هذه الظاهرة بملاحظاته الملفتة للنظر، والذي يؤكد من خلالها على حركة تبادل الكتب والقراءات التي تثار حولها على شبكات التواصل الاجتماعي بين الشباب والشابات، وأيضا المقترحات من قائمة طويلة بأسماء الكتب متنوعة التخصصات التي تتداول على نطاق واسع بينهم بحيث تشعر بوصفك متابعا للمشهد بفرح غامر، بأن هذا الجيل من الشباب مقبل على قفزات في اكتساب الثقافة والمعرفة، قل نظيره بالنسبة للأجيال السابقة.

أقول لصاحبي: للوهلة الأولى قد تبدو ملاحظاتك صحيحة، لا غبار عليها، من جهة كون ظاهرة الإقبال ظاهرة صحية ومطلوبة عند كل المجتمعات، والكل يعرف ببديهية مطلقة الحاجة الروحية للقراءة؛ لرفع منسوب الوعي عند هذه الفئة المؤثرة على عموم المجتمع. لكن لننظر إليها من زاوية أخرى، تكون أكثر قربا للواقع الذي نعيش فيه في بلادنا حيث هذه الملاحظات تقودني إلى التفكير بأزمة ابستمولوجية «مضطر لاستخدام هذا المصطلح لأني لم أجد آخر يعبر عما يتصف به نظام التعليم في المملكة منذ ما لا يقل عن ثلاثين عاما، وما يتصف به نظام التلقي والاستقبال للمعرفة والثقافة عندنا بشكل عام» أي أنها أزمة معرفية من العمق.

لذلك، أجد مسارين اثنين في إطار هذه الأزمة، أثرا بصورة مباشرة على التربية الفكرية والعقلية لأجيال متلاحقة خضعت لنظامنا التعليمي، ثم ستكون النتيجة التي سوف أربطها بملاحظات صديقي.

الأول منهما: يتعلق بغياب تدريس المناهج المنطقية والفلسفية عن نظام التعليم في مراحله المختلفة وصولا للجامعات. والمفارقة الكبرى أن السبب الذي كرس هذا الغياب هو السبب نفسه الذي يدعونا إلى استحضار هذه المناهج، فباسم التراث حوربت هذه المناهج. لكن من يعد النظر إلى التراث نفسه يرى أن أغلب المفكرين والفقهاء واللغويين وبعض المحدثين أيضا مارسوا التفلسف والتمنطق تدريسا وتأليفا. أما الآخر فيتعلق في تباطؤ حركة التطور المعرفي الحاصل على مستوى العالم في مخرجات جامعاتنا، وكان يمكن أن نكون أكثر تطورا منذ أواخر السبعينيات خصوصا في الانفتاح التعليمي والاجتماعي. لكن فكر الصحوة ونظامها الدعوي ساهم بقوة في تكريس التأخر. ويجب أن أشير هنا إلى أن غياب تلك المنهجيات سابق على وجود تأثيرات الصحوة.

كلا المسارين إذن كانت نتائجهما كارثية على عقول أجيال متلاحقة، وليست ملاحظات صديقي سوى جزء بسيط يظهر منها، فالمتاهة التي تخلفها مؤثرات القراءة على ذهنية قطاع واسع من الشباب أكثر من وضوح الرؤية والهدف والوظيفة في مسارهم الثقافي.