آخر تحديث: 22 / 11 / 2017م - 12:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

ملة إبراهيم - الحلقة التاسعة - التفريق بين الرسل

حلمي العلق

جعل الله سبحانه وتعالى ملة إبراهيم على ركائز بيّنة، وجعل إمامته نقطة ثابتة لانطلاق تسلسل الأنبياء والرسل من بعده، لترتسم خارطة الأنبياء بصورة تستعصي على التحريف فلا يسبقه إلى هذه الإمامة الثابتة أحد. فوجوده في طليعة طابور الأئمة والمرسلين يقطع الطريق أمام المخسرين في الميزان الراغبين في فرض إمامٍ غيره حسب الأهواء. ولقد بينت الآيات القرآنية هذا الأمر في مواضع عدة، وأكدت عليه تحت عنوان ”التفريق بين الرسل“ والذي يعني في إحدى صوره تغييب دور إمامة إبراهيم، واحتلال هذا الموقع لصالح نبي أو رسول آخر لدواعي طائفية ومن أجل إعلاء أمة على أخرى. يقول الله سبحانه وتعالى عن طائفتين في زمن الرسالة كان من المفترض أن تكونا على ملة إبراهيم ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ[1] ، كان النبي محمد ﷺ يدعو إلى الملة ويعيد الناس إلى حقيقة ما كان عليه إبراهيم، داحضاً الافتراءات ومصححا الانحرافات بآيات بينات من الذكر الحكيم. لقد كان الرد على دعاوى النجاة بالانتماء إلى اليهودية والنصرانية هو العمل بملة إبراهيم، وتمام ذلك الرد هو بإعادة ترتيب الأنبياء في خارطة الرسل تبعاً لتسلسلهم في الملة ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[2] .

الآية الشريفة تأمر كل الطوائف أن يقروا بالإيمان بما أُنزل إلى النبي محمد ﷺ وما أنزل إلى نبي الله إبراهيم ، وما أنزل على فرعيه من أبناء العهد وأئمة الملة إسماعيل وإسحاق ومن بعد إسحاق يعقوب، ثم على ما أُنزل على فرع الملة الإسرائيلي «أبناء يعقوب» من كتب سماوية على موسى وعيسى عليهما السلام. بعد ذلك تكمل الآية ما يجب على المسلم المتبع للملة الإيمان به بأن ”لا نفرق بين أحد منهم“ الأمر الذي يضيف إلى الإيمان بأولئك الرسل عقيدة حماية هي الحفاظ على الترتيب والتسلسل الوظيفي لأنبياء الملة دون إخلال في هذا النظام. وحسب مقدمة الآية كان من المتوقع أن تكون خاتمتها ”لا نفرق بين كتبهم“ لأنها ذَكرت ما أُنزل على كل رسول، ولكنها ختمت بأنه لا تفريق بين الرسل، وفي هذا التحام في المضمون بين كتب الله وبين رسله، حيث يتماهى الاثنان ليشكلا وجهين لحقيقة واحدة هي الرسالة الربانية، فالرسول يعني الكتاب والكتاب يعني الرسول. ولهذا المعنى ارتداداته لتصحيح العقيدة، فالانحرافات عن أصل الملة كانت عن الكتاب باستغلال تلك الطوائف المتطرفة والمنشقة لأسماء الرسل بعد وفاتهم، فكل طائفة تغالي في رسولها وتنسب له مقولات تخالف أصل الملة وتحرفها عن الجادة. الآية الشريفة وأمثالها تقول لهذا التحزب: لا يمكن أن ينفك الرسول عن الرسالة ولا يمكن أن يكون للرسول موقف مخالف لأقوال الله في كتبه. ما يفعله الذين انشقوا عن أصل الملة إنما اتبعوا اقوالاً ظنية وابتدعوا طريقاً يدّعون فيه أن الرسول الذي يؤمنون بدعوته قد خطه لهم، لكن حقيقة الرسول خلاف ذلك وحقيقتهم هي ما تعبر عنها آية تالية لهذه الآية التي نتأملها هنا، وهي أنهم انشقوا عن الملة واتخذوا سبيلاً آخر ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[3] ، فإن آمنوا بكل الرسل بأنهم على نهج واحد دون أن يفرقوا بين أحد منهم فيما يقول وفيما يشرع فقد اهتدوا، وإن تولوا عن هذا الإيمان فاعلم إنما هم منشقون عن أصل الملة وإن ادعوا أنهم مؤمنون بها.

يمكننا أن نلحظ أن التفريق بين الرسل يكون على مستويين، الأول في الأقوال، والثاني في الوظيفة والمقام، الأول يكون حين ينسب للرسول ما لم يقله مما يخالف أصل الملة وركائزها الأساسية، وأما الثاني فهو بالغلو في ذات الرسول والإخلال بموقعه الحقيقي في خارطة الأنبياء إذ يتحول ذلك النبي الكريم من فرع تابع إلى أصل متبوع، ومن إمام مؤقت إلى إمام مؤسس ليأخذ بذلك مقام الخلة والثبات الذي يتبوأه ”كمقام وظيفي“ إمام المسلمين إبراهيم. إن الغلو في الأنبياء حولهم إلى أصول مختلفة متفرقة يرجع إليهم الجميع حتى نبي الله إبراهيم الذي سبق وأسس، وفي ذلك إسفاف واضح ومخالفة للمنطق لا يقبلها إلا المغالي الذي يميل كل الميل إلى معتقداته والذي يبتعد كل البعد عن أصل الملة.

خارطة الأنبياء التي تفرضها الآيات توحّد أقوال الأنبياء لترفض كل قول ظني متطرف شاذ عن الأصل، وتضع كل نبي في موقعه الزماني الصحيح ضمن قاعدة التابع والمتبوع، أما مقام إبراهيم فهو الطليعة كإمام متبوع للمسلمين، وكميزان يكشف المنشقين عن ملته بالغلو والطائفية.

 

[1]  سورة البقرة. «135»

[2]  سورة البقرة «136»

[3]  سورة البقرة «137»