آخر تحديث: 17 / 11 / 2017م - 10:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأربعين ظاهرة إعجازية

حينَ تسمع عن ظاهرةٍ بمستوى الأربعين فإن فكركَ يبقى حائراً، ولو بذلتَ قُصارى جُهدك فإنكَ لن تُدرك حقيقةَ هذهِ الظاهرة ما لم تكن حاضراً فيها قلباً وقالباً. حتى ولو قرّبَ لَكَ الصورةَ الكتَّاب والقنوات الفضائية ومختلف وسائل الإعلام فإنها تبقى قاصرةً عن إيصال حقيقةٍ ظاهرةٍ لا مثيلَ لها في تاريخِ الإنسانية.

في هذا العام شاءت حكمةُ الله تعالى أن أُسجِّلَ حضوراً مع ملايينِ الزائرين في موسمِ الأربعين العظيم، ومن جوارِ أبي الأحرارِ وسيدِ الشهداءِ أبي عبد الله الحسين أسجِّلُ ما شاهدَتهُ عيناي من مظاهرٍ يعجزُ البيانُ عن إدراكِ كُنْهِهَا، ولكني أُصيغها بما يتسعُ لهُ قلمي.

ثلاثةُ مظاهر واضحةٌ للعيان في الأربعين، تكادُ تكون هي الأبرز حضوراً في هذهِ الظاهرة الإعجازية، وكل مظهرٍ من هذهِ المظاهر الثلاثة معجزةً بحد ذاته، فكيف بها تجمتع في ظاهرةٍ واحدة.

أولاً - السيرُ على الأقدامِ.

في الأربعينِ يسيرُ ملايين الزائرين على أقدامِهم مسافاتٍ شاسعةٍ، وكل حسب طاقتهِ وقدرتهِ وظروفه، فالبعضُ يسيرُ لساعات، والبعضُ يسيرُ نهاراً كاملاً، والبعضُ الآخر يسير لأيام عدة. وليسَ الملفت في الأمرِ ذات المسير فحسب، وإنما الروحيةُ التي يسيرُ بها الزائرون. إنهم يستحضرونَ بمسيرتهم ما مرَّ على أَهْلِ الْبَيْتِ من مآسٍ وظلمٍ واضطهادٍ وسبي وتعذيبٍ بعدَ شهادةِ الإمام الحسين، وكيفَ سارَ الإمامُ زينُ العابدين وهو عليل، وترافقهُ عقيلةُ بني هاشم زينبُ الكبرى وهي المثكولةُ بأخيها وأهلِ بيتها، ومعهما جمعٌ منَ النساءِ والأطفالِ؛ تقودهم عصابةُ الإجرامِ التي لم ترحمهم فساروا بِهِم قسراً من كربلاءَ إلى الكوفة، ِ ثم إلى الشَّامِ، ومن ثُمَّ عادوا إلى كربلاء.

فحينَ يستحضرُ الزائرُ الموالي هذهِ المأساةُ يزدادُ قوةً وصلابة ويتجاوز حالةَ التعبِ ليواصلَ مسيرتهُ الإيمانية متوجهاً إلى جنةِ الله في أرضهِ كربلاء المقدَّسة حيثُ المرقدِ الطاهرِ للإمامِ الحسينِ وأخيهِ أبي الفضلِ العباس.

ثانياً - الضيافة المليونية.

منَ السهلِ عليكَ أن تصفَ كرمَ الضيافةِ حينَ يبالغُ أحدهم في ضيافةِ زوَّاره، لكنكَ ولا شك تعجز أن تصفَ الضيافةَ التي يقدمها الشعبُ العراقي لزوارِ الإمام الحسين وهو شعبٌ يعيشُ وضعاً اقتصادياً عصيباً، ورغم ذلك فإنك ستُدهش حين ترى بعينك هذهِ الضيافةِ المليونية في ساعاتِ النهارِ والليل. إذ يستحيل أن يبقى جائعاً جاء زائراً في الأربعين، وإن لم يكن يملكُ فلساً واحداً؛ فمأكلهُ ومشربهُ مضمونٌ له. وليسَ ذَلِكَ فحسب بل إنَّ الضيافةَ تجاوزت المأكلَ والمشربَ لتشملَ المبيتَ والرعايةَ الصحية.

وما يزيدُ من دهشتكَ هي تلكَ الروح التي يتحلى بها هذا الشعبُ في هذا الموسمِ العظيم.

في هذا الموسم العظيم تجد آلافُ المضايفِ والمواكبِ منتشرةٌ في الطريقِ إلى كربلاء، وفي كربلاءِ المقدسةِ أضعافُ تلكَ المضايف، فبين خطوةٍ وأخرى يوجدُ مضيفٌ لضيافةِ الزائرين. ولست مبالغاً إن قلتُ أن كربلاءَ المقدسةَ تحولت إلى مضايف للزائرين بمختلفِ أنواع الأطعمة.

ثالثاً - الارتباطُ الروحي.

حينَ تسألُ عن الظاهرةِ الأكثر إعجازاً في الأربعين، فإنها تتمثلُ في ذَلِكَ الارتباطُ الروحي الذي يربطُ الزائرينَ بمولاهمِ الإمامِ الحسين. فليسَ هناكَ دعوةً خاصة للزائرين والمواكب الحسينية لحضور موسمِ الأربعين في كربلاءِ المقدسة. وحينَ تعلم أنَّ الزيارةَ لا تخلو من مشقةٍ وتعبٍ وتزاحمٍ فإنّكَ تدركُ حقيقةَ الارتباطُ الروحي الذي تجاوزَ كلَّ احتمالات الألم، ليتجهَ الجميعُ بقلوبٍ ملؤُها الحبِ والولاءِ والتسليمِ لولي الله وسيدِ الشهداءِ أبي عبد الله الحسين.

وحين تقتربُ من الضريحِ المقدس للإمامِ الحسين وأخيه أبي الفضل العباس ترى بعينك وتسمعُ بأذنك وتستشعرُ بقلبك ذَلِكَ الموجُ الهادر أمام الضريح المقدس، لتدركَ عمقَ الارتباط الروحي الذي يشدُ نفسك، لتتمنى أن تكون وسط الأمواج تموج، وتدعو مع الداعين، وتزور مع الزائرين، متجاوزاً كل أشكال «البرستيج»، فلا شيء يسلُب عقلك ولُبك سوى تلكَ الطاقةُ الروحيةُ المنبعثة من ذَلِكَ المقامُ المقدس. ولو أنَّ روحك قضت في تلك الساعةِ فإن ذلك يكون مبعث سرورٍ لك بأنكَ ختمتَ حياتكَ في حضرةِ المولى الحسين.

من هنا على الزائرينِ المؤمنين أن يستثمروا بركاتَ هذهِ الزيارةَ المباركة، فما بعد الأربعين أهم من الأربعين، فالمؤمن الزائر الذي يُوفق للحضور في هذا الموسمِ العظيم ينبغي عليه أن يجعلَ مسيرتهُ الحياتية بعد الأربعين انعكاساً للروحِ التي استلهمها من الأربعين، فليس سليماً أبداً أن يحضر الموالي للأربعين، ثم يعودُ إلى أهلهِ ولم تُحدِث الأربعين تغييراً في واقعه، فالزيارة التي لا تتجاوز المرحلة الزمنية القصيرة للأربعين، لا تعدو كونها زيارة شكلية.

إن الأربعين ينبغي أن تكون مسيرةَ حياة ترافق الإنسان الموالي طيلةَ حياته؛ إنها انبعاثٌ للروح من جديد. وأهم ما في الأمر أن يستشعر الإنسان هذه الروح، فتكون حاكمةً على سلوكهِ وما يحملهُ في أعماقهِ تجاه الآخرين. وحين يواجه الزائر سلوكاً سلبياً من أحدهم فعليه أن لا يتأثر بذلك فيمارس سلوكاً يتنافى والروح التي اكتسبها بزيارته للأربعين؛ وليكن واعياً لذلك بكلِّ جهده وطاقته.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، صلوات الله عليهم أجمعين.