آخر تحديث: 12 / 12 / 2017م - 6:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

هل للعشق قواعد

كاظم الشبيب مجلة شرق وغرب العمانية

خِلَال ثلاثة عُقُود ونَيْف، وعَبْر مُطَالعاتي للروايات العربيَّة والأجنبيَّة، قليلةٌ هِيَ تلك الروايات التي تشدُّني حتى الانغماس، أو تجرُّنِي حتى الالتصاق، أو تَجْذِبني حتى الذوبان.. رواية“قواعد العشق الأربعون”للكاتبة التركية إليف شافاق هي مِنَ هذا النوع المتميِّز، الذي قلَّما يصلُ إلى أيدي القرَّاء مثلها.. تهزُّ الوجدانَ، يَذُوْب المتلقِّي في مَوْضُوِعها، يَرْتَوي مِن رحيقها، يَعِيْش لحظات شخصياتها وكأنَّه شاهدُ عَيَان على مُجريات الأحداث اليوميَّة فيها.

مَنْ أرادَ أنْ يَقْرأ رواية ذات روح روائية حقيقية، مَنْ أرَادَ أن يُبْحِر في الأدب التاريخي، مَنْ يَعْشَق أدب التجلي العرفاني، مَنْ يُحبُّ إنسانية الإنسان والأدب الإنساني.. إلى كلِّ هؤلاء أقول: عليكم اقتناء وقراءة رواية“قواعد العشق الأربعون”، رواية عن جلال الدين الرومي كما جاء في عُنوان الكتاب وغلافه.

ما هي مضامين هذه الرواية التي بِيْع منها حتى العام 2012 أكثر من 600 ألف نسخة بلغات مُختلفة؟ وما هي عناصر الأدب التي أَعْطَت القوة لهذه الرواية التي صَدَرَت أول مرة باللغة الإنجليزية في فبراير عام 2010 في أمريكا، ثم صَدَرَت الطبعة الثانية في يوليو 2010 في بريطانيا؟ ما هي الرُّوح التي سَرَت في عروق هذه الرواية لتجعلها تسحر القراء بخمسمائة صفحة انتظمتْ بين دَفَّتِي الرواية التي كانت الأكثر مبيعاً عند صُدُوْرِها في تركيا وإيطاليا وفرنسا وبلغاريا؟

الراوية والرواية:

أولاً - الراوية:

تقول الكاتبة التي تكتبُ باسمها الأول“إليف”والثاني“شافاق”وهو اسم والدتها، وليس اسم والدها أو عائلتها، فقد انفصل والدها عن أمها وهي في السنة الأولى من عمرها.. تقول عن روايتها كما جاء في مُقابلة معها:“إنَّ روايتي“قواعد العشق الأربعون”تَعْرِضُ نظرةً ثاقبةً على الفلسفة القديمة القائمة على وِحْدَة جميع الأديان والشعوب”. وحقيقةً، هذه الرؤية مرجعها تراكمي لدى الكاتبة من خلال الخلفية الأكاديمية التي قبل أن تنهي فيها الدكتوراه كان موضوع رسالتها لنيل درجة الماجستير هو“الإسلام والنساء والتصوُّف”، ثم تجربتها كأستاذة محاضرة في مادة الدراسات والأجناس في جامعة أريزونا، ثم جاء دَوْر تجربتها كمطالعة وقارئة من الدرجة المتقدمة في الفلسفة والتصوُّف، وكان لاطلاعها الواسع على تجربة“شيخ الصوفية الأكبر”مُحيي الدين بن عربي، وتاريخه، أثرٌ واضحٌ في كتابة هذه الرواية. ورُبَّما كان لوالدها الفيلسوف نوري بيلجين تأثيرٌ على مسيرتها الفكرية. ثم تراكمتْ تجربتها الكتابية؛ فللكاتبة كتابات كثيرة وَضِمْنها روايات ثمانية؛ منها:“الصوفي”، و”مرايا المدينة”، و”النظرة العميقة”، و”قصر البرغوث”، و”لقيطة إسطنبول”، و”شرف”…إلخ، ولها كتاب“المد والجزر”تُنَاقِش فيه قضايا حول مكانة المرأة والرجل والجنس والذهن والأدب. أمَّا روايتها“مرايا المدينة”، فهي الوجه المكمِّل لروايتها“قواعد العشق الأربعون”؛ لأنَّ الأولى تتطرق إلى التصوُّف عند المسلمين واليهود في خلفية مُتوسطية من القرن السابع عشر الميلادي.

ثانياً - الرواية:

“الحبُّ”هو العمودُ الفقريُّ الذي ترتبط جميع خيوط الرواية فيه؛ فمسار الحبِّ البشريِّ يَتَصَاعد في آنٍ واحد مع عُرُوج الحبِّ العرفاني في مسار النقاء والارتقاء. حبُّ البشر والحجر، حبُّ الطبيعة والحقيقة، حبُّ القيم اللامحدودة، حبُّ التجلي عبر التأمل والتساؤل، حبُّ الإنسانية غير المقيدة، حبُّ الحبِّ لأنَّه غاية الغايات، حبُّ الحبِّ لأنَّه أسلك المسالك بين المحبين، فهو غاية وَمَسْلَك وقيمة. الحبُّ هنا، في هذه الرواية، هو الذي يُشكِّل رؤية المرء؛ بحيث يتلبسه الحبُّ إلى حدِّ الهيام فيقوده - الحبُّ وبالحبِّ - نحو صياغة معارفه عن كل شيء بروح الحبِّ، فتصبح خطواته في الحياة وقراراته مُجرَّد انعكاسات مُتغايرة مَصْدَرُها الحبُّ، والحبُّ فقط.. الحبُّ في هذه الرواية هو تغيير وتجدد إيجابيان دائمان، وهو العاملُ المشتركُ بين أغلب الشخصيَّات الرئيسيَّة للرواية.

لذا؛ فإنَّ الحبَّ في هذه الرواية مَصْدرٌ للرؤية، بل هو الرؤية، وهو مصدرٌ للتجديد، بل هو التجديد؛ وبالتالي فهو مَنْبع مُتدفِّق للطاقة الإيجابية، متاح للجميع، فرصة الإبحار بَيْن نسماته والارتواء من نفحاته، ومن ثمَّ بث إشعاعاته للكل «البشر، الطبيعة» بروحانية شاملة لا تمييز فيها بين سُكَّان المعمورة، ولا فَوَارق فيها بين مُجتمعات الكون قاطبة.

الحبُّ بهذه الكيفية يُصْبِح تعدادُ صوره بمقدار تعداد سكان الأرض، وتعداد المحبِّين في الكون، وتعداد حالاته وتفاعلاته وقصصه بمقدار تعداد كلِّ لحظة تنفس يعيشها ويشترك فيها المحب ومحبوبه؛ لذلك اعترف الواصفون بعجزهم عن واقع الحبِّ والمحبِّين، كما أقرُّوا بعجزهم عن شرح ماهية العلاقة الرابطة بين المحبِّين. وما قيل في ذلك ما هو إلا مُجرَّد مُحاولات لتشريح وتبيان بعض مدلولات ومضامين انعكاس الحبِّ على المحبِّين الذي يَظْهَر على تصرفاتهم واختيارهم لأنواع مُحدَّدة من مسارات الحبِّ ومقاماته؛ لذا يَصْعُب الاستسلام لتسمية“القواعد الأربعون”ب”قواعد العشق”، بدلاً من تسميتها“قواعد الحبِّ”؛ فالتسمية الثانية أقربُ لمنطوق القواعد الأربعين ذاتها وفق النصِّ الموجود في الرواية، وترجمتها التي بَيْن أيدينا.. فالكاتبة لم تستخدم كلمة“العِشْق”إلا قليلاً داخل مَتْن نصوصِ القواعد نفسها. استخدمتْ المُفْرَدة داخل نصوص القواعد خمس مرات فقط من أصل أربعين قاعدة، وكأنَّ الأصلَ في القواعد الحبِّ وليس العشق، وإنْ اجتمعا أو افترقا في محطات ودرجات من سُلَّم الحبِّ اللامتناهي.

تمَّ استخدام مفردة“العشق”في قاعدتين «39، و40»، ومفردة“عاشق”في قاعدتين «4، و22»، ومرة واحدة استخدمت الكاتبة مفردة“عشَّاق”في قاعدة رقم «9». نعم، وردت مفردات «العشق، العاشق، العشاق…إلخ» بكثرة قبل أو بعد هذه القاعدة أو تلك، أي قبل النص أو بعده. وهنا، ينبغي العودة لنص الرواية الأصلي في اللغة الإنجليزية للتوثُّق من المفردة، أهي العشق، أم الحبُّ، أم من مشتقاتهما؟

القواعد الأربعون هي قواعد للحبِّ والمحبِّين أكثر منها قواعد للعشق والعاشقين؛ لذا نَجِد عنوانَ الكتاب باللغة الإنجليزية“قواعد الحبِّ الأربعون”«The Forty Rules of Love»، وليس «The Forty Rules of Adoration»“قواعد العشق الأربعون”.

الحبُّ في الرواية كرسالة وغاية أرادتْ الرواية إيصالها للمتلقِّي يُمكن إيجازها - من الناحية الفكرية الأدبية والإنسانية، لا من حيث الفكر الفلسفي الذي تبنته الكاتبة - في صناعة“فن التوازن”من خلال الحبِّ كرؤية والتجديد بالحبِّ؛ لأنَّ أيَّ علاقة حُبِّ قائمة بين طرفين - سواءً حبًّا روحيًّا أو ماديًّا، حبًّا إنسانيًّا أو حيوانيًّا - هي علاقة محكومة بالدوران في فلك المد والجزر، الصعود والهبوط، الارتقاء والسقوط، النقاء والعكر، الاستواء والارتباك، الذوبان والانفلات، العروج والانزلاق، التسلق والانحدار، العزم والتراجع.

وهذا صراعٌ يعيشه الإنسان العادي خلال ساعات يَوْمِه، فيجعله بين الإقبال والإدبار في علاقته مع محبوبه. هذه الحالة بين المدِّ والجزر تتفاعل كيميائيًّا في وجدان المحبِّين. هي سُنَّة طبيعية من سُنَن الحياة. أرادتْ الرواية أن تدفع المتلقي إلى أن يكون متوازناً في أحكامه وأفعاله عندما يدُوْر في فلك هذا المد أو ذاك الجزر؛ كي لا يفقد التوازن في مرحلة الارتقاء في الحبِّ، ولا يهوي إلى قاع الرَّدَى عند الانحدار إلى نقطة اللا عودة.

الحبُّ في هذه الرواية - وفق ما سبق - هو الرُّوح التي نفخت في“التراب، الماء، الهواء، النار والعدم»، وهي عناوين الفصول الخمسة للرواية، وهي العناصر التي خَلَقَ الخالق الكَوْن والحياة منها، ولولاها ما كانت الحياة ولا استمرت.. فالحبُّ نَفَخ فيها الحياة والبقاء والاستمرار. هي روايةٌ سَوْف يستمتع بقراءتها أغلب نوعيَّات المتلقين، ليس لكون التشويق قويًّا في حبكتها وشخوصها، بل لكونها قابلة للقراءة والفهم من زوايا مختلفة وعديدة.

الحبُّ في رواية “قواعد العشق الأربعون” للكاتبة إليف شافاق، أَكْبَر وَأَشْمَل مِن عَجْز بَيْت الشعر المشهور “وللناس فيما يعشقون مذاهب”، والذي وَرَد في قصائد مجموعة من شُعَراء التراث العربي كأبي فراس الحمداني وغيره. فكلُّ نَوْع من أنواع الحبِّ، كلُّ صُوْرَة من صور الحبِّ، بما فيها الحبُّ العرفانيُّ بدرجاته المختلفة، أو الحبُّ الصوفيُّ بطرقه المتنوِّعة، كُلُّها تستظل بمظلة عريضة كالسماء اسمها “الحبُّ”.

الحب وعناصر الرواية:

مَا جَعَل الحبَّ طاغياً في كلِّ سَطر من أسطر الرواية، ومهيمناً على صفحاتها قاطبة، هو تغلغل فروع نهر الحبِّ في أعماقِ كلِّ عُنصر من عناصر الرواية الأساسية أو الفرعية «الحبكة، والشخوص، والزمان والمكان، وبيئة الرواية ومجتمعها، والأحداث، واللغة…إلخ»، وهو ما جَعَل عنصرَ التشويق ومنسوبه عالياً، يشدُّ إليه المتلقِّي حتى نهاية الرواية.. وَيُمكن مُتابعة بعض تلك العناصر والغوص فيها وفق ما يلي:

بيئة الرواية

هي مِنَ الروايات التي تتعدَّد مُجتمعاتها المتفرقة، لكنَّها لا تلبث أن ترتبطَ وتلتحمَ من حَيْث وحدة الإنسان، ووحدة الخلق، ووحدة الإحساس، ووحدة الألم، ووحدة الفرح.. بيئة اجتماعية وثقافية وحياتية سارتْ مُجريات أحداثها في القرن الثاني عشر الميلادي، أي قبل 800 سنة، في آسيا والشرق الأوسط، وبيئة أخرى مُختلفة جرت أحداثها وعاش أهلُها في الزَّمن الحاضر في أمريكا وأوروبا، فتتلاقى البيئتان عبر شخصياتها الرئيسية في ظلال الحبِّ.

مُجتمعٌ شرقيٌّ ومُجتمع غربيٌّ بكل الفروقات الحياتية في البيئتين. من حيث بيئة الشرق يمكن اعتبارها - الرواية - تاريخية. ولكن من حيث الغرب يمكن اعتبارها مُعاصِرة. لا يعني الفارق بين الزمانين والمكانين أنَّها رواية خيالية، بل على العكس من ذلك فهي رواية واقعية جدًّا من حيث التفاصيل السردية للأحداث والوقائع التي جرت عام 2001م، وأحداث ووقائع جرت عام 2008م. الحبُّ هو الحبُّ في البيئتين، الحبَّ العرفانيَّ أو الحبَّ الإنسانيَّ والبشريَّ، بينما الحياتان مُختلفتان. فهنا وسيلة النقل الخيل والبغال والمشي، وهناك الطائرة والسيارة، مظاهر ووسائل الحياة مختلفة ومتغيرة، بينما طبائع البشر ثابتة؛ ففي البيئتين إيمانٌ وكفر، خيرٌ وشر، صدقٌ وكذب، نورٌ وظلمة، عدلٌ وظلم، صلاحٌ وطهارة مقابل فسقٍ وفجور.

 حبكة الرواية:

حَبَكَتْ المؤلفة رَوايَتَها كقطعة من الذهب المنقوشة أجزائها بهدوء ورويَّة؛ فتخرج على هيئة سبيكة أدبية رائعة.. جمعت المتفرِّق من أحداثها، تدرَّجت في تسخين صراعها، سارتْ بشخصياتها حتى النضوج، ثم عملتْ على تجميع المتفرِّق من أجزاء الرواية حتى الاندماج؛ فصار الزمانان وكأنهما زمان واحد، وباتت الأمكنة وكأنها مكان واحد.

لذا - وبسبب شدة الانفصال في مجتمعي الرواية: القديم والحديث، ثم لسلاسة التجميع بينهما، رغم وجود بطلين في المجتمعين - فيهما من المشتركات صفات عديدة، وإن كان أحدهما مُنبهراً بالآخر، ورغم ذلك، ربما يظن المتلقي - لوهلة ما - أنهما ليسا شخصين، وإنما شخص واحد، بينما في الواقع هما شخصان عاشا في زمنين الفاصل بينهما مقداره ثمانمائة عام؛ الأول“شمس التبريزي”المتوفَّى في القرن الثاني عشر الميلادي، والثاني“عزيز”المتوفَّى في السنوات الحاضرة. وما جعل الحبكة في الرواية سلسة وناعمة في «الافتراق - التجميع» مَتَانة المشتركات التي تتَّصف بها شخصيتاهما «شمس وعزيز» التصوف منهجهما، التجوال حياتهما، بساطة العيش ديدنهما، الحبُّ دينهما، عشقُ الله عقيدتهما.

تقُوْم حبكة الرواية على مساريْن متصاعديْن يُمثِّلان أحداثَ الرواية وإيقاع سيناريوهاتها، هما مساران من العشق، بل هما نَوْعَان من الحبِّ. مَسَار غايته البناء والتدرُّج في التجلِّي، والعروج في العشق الإلهي. وآخر يَجْرِي ويصبُّ في دُرُوْب الحبِّ البشري الصرف، لكنهما يلتقيان ويتنافران في تشكيل ورسم لوحة سيمفونية رائعة الجمال، من خلال قواعد العشق الأربعين. وتتخلل هذين المساريْن مسارات الحبِّ بأنواعه المختلفة، ومستوياته المتعددة بين ذوي القربى وذوي الغربى، بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان والجماد، بين الجمادات ذاتها، بين الطبيعة ومكوناتها.. الحبُّ الروحيُّ، العشقُ النفسيُّ، الهيامُ الوجدانيُّ، ذوبانُ الذات، تعلُّق القلب، شغفُ الحَوَاس، وَلَه المُحبِّين، حبُّ النفس، هَيَامُ العاشقين.

رُبَّما تكون نقطة ضَعْف حبكة الرواية هي عنصر النهاية. ليس المقصود هنا فكرة أو صياغة نص الفكرة، بل المقصود هو طريقة حبكة النهاية التي جاءت في الفصل الأول من الرواية، واتضاح صورتها في الفصل الأخير. لا تحتاج حبكة الرواية إلى هذا الأسلوب من التشويق؛ فالتشويق مُتَوافر عبر العناصر الأخرى بشكل قوي، وهي ليست من الروايات التي تعتمد ملاحقة حدث النهاية“مقتل شمس”من صفحاتها الأولى.

أمَّا عنصرُ الصراع في حبكة الرواية، فهو متتالٍ ومتراكم في شخصيات الرواية، وفي أحداثها. تجد ذلك في الشخصيات الرئيسية للرواية ووجدانها؛ فعند التبريزي وابن الرومي وعزيز وإيلا هُنَاك صراعٌ مُتصاعد داخل كل شخصية حول الاستمرار والاستسلام للواقع أو القبول بالتغيير والتغير، صراعٌ نفسيٌّ يتعرَّض لهزات وضربات لا تتوقف. صراعٌ بين ابن الرومي ومجتمعه حول قبول المجتمع لابن الرومي المتجدِّد والمتغير، أم رفضه وعدم الاقتناع بمنهجه المستحدث؛ مما أدَّى إلى مقتل شمس التبريزي شعلة الرواية وبطلها.

شخوص الرواية

تحتوي الرواية على أكثر من ثلاثين شخصية؛ منها: أربع شخصيات أساسية، والبقية مُكمِّلة لجسد الرواية، وهيكلها، وأحداثها. ينقسمُ بعضهم تحت المظلة العائلية لثلاث شخصيات وأسرهم، يُوْحِي غلافُ الرواية وعنوانها“قواعد العشق الأربعون رواية عن جلال الدين الرومي”، وكأنَّ الرواية بطلها الحقيقي جلال الدين الرومي نفسه. بينما - من الناحية الأدبية، والناحية الحياتية وأحداثها وفصولها - البطلُ الفعليُّ هو شمس الدين التبريزي. ومصدرُ الالتباس نفسه باللغة العربية؛ حيث صَدَرت من دار طوى بالعنوان الفرعي، ولم تَضَع دار الآداب العنوانَ الفرعيَّ أيضاً.

شمس الدين التبريزي هو الحاضر في كلِّ جزء من فصول الرواية، هو الدمُ الذي يجري في عروقها، هو الصانعُ لجلال الدين الرومي الجديد، هو المغيِّر لاتجاه نبضات القلب عند الرومي، عند زوجة الرومي رغم امتعاضها منه، عند ولد الرومي رغم رفضه لطريقة شمس في معالجة ومواجهة الآخرين، عند السكران، عند المؤمن، عند كلَّ شخصيات الرواية.. أغلبهم أحبُّوه، بينما كَرِهَه البعضُ منهم حتى أردُوْه قتيلاً. لذا؛ هو بطل الرواية بلا مُنازع، هو الظاهر والخفي في آنٍ واحد. هذا البطل هو صوفيٌّ متجولٌ باحثٌ عن الحقيقة، باحثٌ عن الله من أجل الكمال والتكامل في صقل نفسه وتغيير محيطه. ومن صفات هذا البطل المتجول بَيْن بلاد الله الواسعة، والمخالط لجميع أنواع الناس المتفرقة، من صفاته الثابتة: التأمُّل العرفاني الدائم، والصمت الوجودي حتى وهو باسم، والحبُّ لكل شيء حتى الإنسان الذي هو له ناقم، بينما هو له شافق وراحم.

لغة الرواية:

هُنَا، نتحدَّث وفق نص الرواية باللغة العربية وليس نص الرواية الأصلي باللغة الإنجليزية، وأيضاً نتناول نصًّا عربيًّا مُترجمًا ومُحدَّدا، الذي صَدَر عن دار طوى للمترجم خالد الجبيلي، لا عن نسخة دار الآداب للمترجم د. مُحمَّد درويش، والجميع يعرف مدى تأثير طبيعة الترجمة، وقوتها أو ضعفها، للنصوص المكتوبة بلغة أخرى.

لُغة الرواية في أغلبها، لغة وضمير المتكلم؛ بحيث نجد في كلِّ جزء من كلِّ فصل أنَّ المؤلفة جعلتْ شخوصَ الرواية يتحدثون عن أنفسهم بشكل مباشر؛ مما أعطى المتلقي إحساساً فعليًّا مُتواصلاً بأنه يستمع إلى كل شخص ويتفاعل معه ويعيش تجربته، ويتفكَّر في الاحتمالات المتوقعة من قراراته ومواقفه؛ لذا لم يكُن الحوار بين شخصيات الرواية هو العمود الفقري للغة الرواية، وإنَّما هو مُكمِّل للغة الرواية وهو ضمير المتكلم. الحوار هُنَا مُجرَّد عنصر كيميائي تتفاعل من خلاله شخصيات الرواية التي تتحدَّث عن نفسها؛ فالحوار في هذه الرواية بمثابة أداة للتفاعل، وخادم لعملية السرد التفصيلي المطلوب.

لقد استفادتْ الكاتبة من ضمير المتكلم في لغة الرواية لحقنها ببعض المعارف والمعلومات على لسان الشخصيات، وكأنها ليست هي التي تعبِّر عنها؛ مما جعلها مقبولة وسهلة الهضم عند المتلقي؛ بحيث لا يشعر أنَّ وجود هذه المعلومة أو تلك هو إقحامٌ أو إسقاطٌ ليسا في مكانهما.

ومن الملاحظ في عُنصر لغة الرواية وجود المباشرة في“القواعد الأربعين”نفسها؛ إذْ جاءتْ بضمير المخاطب؛ بحيث يتلقاها القارئ وكأنَّه هو المعنيُّ بالتوجيه والإرشاد الموجوديْن في كلِّ نص من نصوص القواعد؛ مثال:“إنك إذا…”، و”عليك كذا…”، و”لا يمكنك…”، و”يمكنك…”، و”تستطيع…”، و”اجعل قلبك…”، و”احذر كذا…”، و”لا تكترث لكذا…”إلخ.

وَقَدْ وَرَدَت القواعدُ على لسان شمس الدين التبريزي، خمسا وثلاثين مرة من أصل أربعين، ووردت مرة واحدة على لسان شخصية“السيد”الذي استضافَ شمسًا في بغداد، ومرة على لسان“سلطان”ابن الرومي خلال حواره مع أخيه علاء، ووردت ثلاث مرات بعد مقتله؛ إحداهما على لسان“إيلا”ولكنها عبَّرت عنها على لسان شمس، ومرة على لسان الرومي، وأخيراً على لسان“إيلا”بعد موت حبيبها“عزيز”.

الملاحظة الأخيرة في عُنصر لغة الرواية هي عجزها - كما جاء في نص الرواية تصريحاً وتلميحاً - عن وصف موضوعها وهو“الحبُّ”، ووَرَد ذلك على لسان بطلها شمس الدين التبريزي في موارد متكرِّرة. وعندما تَعْجَز الحروفُ والكلمات عن وَصْف حالة الحبِّ؛ حيث إنَّها صعبة الوصف كما ذكر شمس، فلا شك أنها ستكون أكثر عجزاً عن وَصْف حالة العشقِ التي يعدُّ الحبُّ أمامها مُجرَّد درجة من درجاتها. لذا؛ تلجأ اللغة، وكذلك اللغويون، للقيام بمحاولة تقريب الحالة عبر وصفها أو وصف أعراضها وآثارها، محاولة قد تُصِيب وقد تخيب؛ لأنَّ الحبَّ حالة مسارها قاسٍ ومؤلم، ولكن مخاضها ناعمٌ ولطيف.