آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 12:32 م

عولمة الأديان

محمد الحرز * صحيفة الشرق السعودية

كل مرة يساء فيها فهمنا للدين، تكون النتائج كارثية، والآثار المترتبة على هذا السوء من الفهم؛ لا يمكن حصر انعكاساته على المجتمع والثقافة والاقتصاد والسياسة حصرا يسهل استيعابه وبالتالي فهمه وإدراكه. هذه حقيقة يقررها التاريخ، وتجارب أحداثه ووقائعه تؤكد ذلك بلا مواربة.

لكن ما الذي نعنيه بسوء الفهم المرتبط بالدين؟ مِن المتعارف عليه أن سوء الفهم مرتبط بالدرجة الأولى بالطريقة التي نستخدم بها عملية التأويل للنصوص كتأويل النص القرآني على سبيل المثال، وأمهات الكتب المعتبرة في التراث، وبالقدر الذي يكون فيه التأويل متحركا بقوة المخيلة ومدعوما بتصورات تكون غير مألوفة في محيطه الثقافي الذي تربى فيه، يتم تلقيه في أوساطه الثقافية باضطراب ونبذ ومحاربة وسوء فهم على أقل تقدير كما هو عليه الحال في التأويل الصوفي للنص القرآني.

هذا النوع الناتج من تأويل النصوص قائم في التراث، وله نظرياته المتعددة التي اختصت بها بعض الفرق الإسلامية، واعتنت به أشد الاعتناء كالمعتزلة والشيعة الإسماعيليين وبعض الفرق الأخرى.

لكن ما يهمنا في الموضوع هنا هو التركيز على تأويل الظواهر المتصلة بالدين وليس بالنصوص، وإن كان عمليا لا يمكن الفصل بينهما فصلا ميكانيكيا بل ثمة تداخل وترابط من هنا وهناك، فالظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية متصلة بالفكر والنظر في جدل لم ينأَ إلى الآن المفكرون والفلاسفة في إنتاج النظريات المتنوعة حوله وربطه بالأحداث الكبرى والمؤثرة.

وهذه الظواهر لم تحدث إلا في العصور الحديثة كونها أصبحت أكثر تعقيدا وتداخلا ولا يمكن رصدها إلا بحس فكري ونقدي أشبه ما يكون عابرا للقارات من فرط عالمية هذه الظواهر وأثرها الواضح على شعوب العالم.

ولنأخذ الآن مثالا على سوء الفهم في الظواهر المتصلة بالدين. في التسعينيات عندما برزت ظاهرة الأصولية الإسلامية ورفع شعار تطبيق الشريعة والعودة إلى المنابع الأصلية للإسلام، لم يكن مصطلح الإسلام السياسي قد تم اختراعه في الدوائر الغربية بعد. جرى اختراعه لاحقا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحديدا.

لقد جرى استقبال هذه الظاهرة وتأويلها في اتجاهين: الأول غربي، بحيث جرى تعميمه من خلال مراكز البحوث والمؤتمرات ومن خلال الخطابات السياسية المهيمنة، وكذلك أيضا من خلال تأثيره الواضح على بعض الخطابات الفكرية العربية.

الثاني عربي، وقد سعى إلى تجاوز التأثير الغربي واستشراف تأويل للظاهرة غير مسيس إطلاقا، بحيث أخذ يستمد نظرته من حقول فكرية مختلفة. كان التأويل الغربي يرى في العامل الاقتصادي من منظور ماركسي هو ما أنتج هذه الظاهرة، خصوصا الفراغ الذي خلفه سقوط الاتحاد السوفيتي. وتدني مستوى المعيشة في أغلب البلدان العربية بعد هذا السقوط المدوي والمشروعات العربية المرتبطة به، وما جعلها - حسب رأيهم - تأخذ منحى سياسيا أكثر هو الصراع العربي الإسرائيلي، وصعود الثورة الإيرانية إلى المسرح الدولي.

بينما لو أخذنا الاتجاه الآخر العربي الذي يرى في هذه الظاهرة أنها ليست سوى استجابة وردات فعل لتحولات الثقافة المعاصرة جهة الحداثة، بل يراها البعض كما هو الحال عند عبدالسلام بنعبدالعال أنها استجابة إيجابية - رغم مظاهرها السلبية التي تعم جميع مظاهر الحياة العربية - تدل دلالة قاطعة على أن المجتمعات الإسلامية ليست متقوقعة ومنطوية على نفسها وبالتالي متخلفة، بل هي حركية ودفاعها عن هويتها أمر طبيعي وضروري في لحظة من اللحظات، لا يمكن النظر إليه باعتباره رفضا للتطور والمدنية كما يروج الخطاب الغربي متخذين من حداثتهم الغربية معيارا صارما، من يخالفه من المجتمعات يعتبرونه مجتمعا متخلفا وتقليديا وليس حداثيا.

إننا نلاحظ من خلال هذين الاتجاهين أولا: غياب النظرة الشاملة التي تعيد من خلالها تفسير هذه الظاهرة ضمن شروط تتجاوز ما هو اقتصادي أو ما هو حداثي.

ثانيا: هذا الغياب جعل النظر إلى هذه الظاهرة عند كلا الاتجاهين - بالتأكيد هناك اتجاهات أخرى كثيرة لم نذكرها، لكن هذين هما الأكثر تأثيرا وشهرة - تظل حبيسة ثنائية «الإسلام والغرب» التي أسرت الكثير من الدراسات والتحاليل والمقاربات، وأطرتها في نظرة ضيقة حتى يسهل توظيفها سياسيا. ربما يأتي كلامنا ضمن سياق اللاوعي للدراسات التي اهتمت بهذه الظاهرة دون الإشارة إلى فعل قصدي لعملية التوظيف سواء لهذا الكاتب أو ذاك، على الأقل من الذين نحترم كتاباتهم واشتغالاتهم الفكرية الجادة والبعيدة عن كل تسييس وضجيج إعلامي.

ثالثا: النتائج التي ترتبت على مثل هذا التأويل أزمت من نظرة العداء والكراهية إلى كل ما يمت إلى الغرب بصلة، واختلطت مشاعر الكراهية بالرغبة في إثبات الهوية الدينية.

فالمسلم الذي يعيش على تمثل موروثه لا يقف على أرضية صلبة في فهم ما يجري حوله من تحولات عميقة، خصوصا ما يتصل منها بتنامي الشعور الديني في الحياة المعاصرة. لذلك الدور الذي لعبه مثل هذا التأويل قلنا عنه في مقدمة المقالة كارثيا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ودلالة.

بيد أن الفكر الغربي من جهته حاول أن يقارب تنامي هذا الشعور في أوساطه الاجتماعية والثقافية، فالبعض رأى فيها عودة إلى كل ما هو ديني بعد قرون من علمنة الحياة الغربية. أما البعض الآخر ربط هذا الشعور بمنظور أشمل وأعم جاعلا من مفهوم الأصولية قاعدة مشتركة للنظر إلى المسلم والمسيحي واليهودي. وهناك آخرون كخوسيه كازانوفا الذي يرى أننا بحاجة إلى إعادة تعريف العلمنة في علاقتها بالدين في ظل اتساع دور هذا الأخير في الفضاء العام للمجتمع. بينما مارسيل جوشيه يرى أن تشكل الهويات الدينية وظهورها بفاعلية في قضايا الشأن العام تعود بالأساس إلى نشوء الديمقراطية وتمثلاتها من خلال العقد الاجتماعي، ويرى في هذه الهويات جانبا مكملا للعلمنة الغربية وتطورها.

هذان المثالان يوضحان مدى غياب نظرية شاملة في فهم هذه الظاهرة بشكل عالمي. الأمر الذي يقودنا إلى كتاب أوليفييه روا «الجهل المقدس.. زمن دين بلا ثقافة» هذا الباحث المتخصص في الشؤون الإسلامية صدر كتابه في فرنسا عام 2008م، وترجم إلى العربية بعد أربع سنوات 2012م. هنا يمسك الكاتب بخيوط النظرية، ويضع الأديان في قلب العولمة بحيث يعيد صياغتها من جديد، وفق منطق السوق ومتطلباته، ويتساوى في ذلك الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية وجميع الفرق التي تنتسب إليها من قريب أو بعيد.

لذلك لا يرى بروز هذه الهويات كعودة للدين، وإنما بفعل العولمة هو إعادة انتشار وتوزيع بحيث يرى أن مثل هذا الانتشار يصاحبه أو يدعمه بما يسميه بالجهل المقدس، وهو مصطلح يعني عنده أن المعتقدات والطقوس للأديان انفصلت عن منشأها الثقافي الحاضن الذي ولدت فيه، فأنت ترى الرجل الغربي وقد أصبح مسلما دون أن يتخلى عن ثقافته، وكذلك المسلم أو البوذي أو الهندوسي.

وهكذا حدثت عولمة للطقوس والمعتقدات حسب متطلبات السوق الذي بدوره لا يخضع للمعرفة المعمقة للدين، بل يجعل من معتنقيه موحدين في أنماط سلوكهم وإن اختلفت معتقداتهم. وإذا كان هذا المصطلح ينطبق على المجتمعات المعاصرة بلا استثناء، فإن محمد أركون خص المجتمعات العربية بمصطلح آخر مستوحى من هذا الأخير وهو الجهل المؤَسس إمعانا للجهل المترسخ في الحياة العربية.