آخر تحديث: 19 / 2 / 2018م - 2:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

أفضل كوب قهوة!

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال الالكترونية

وصلتُ بداية الأسبوع للصالة الداخلية في احد المطارات صباحاً، وكان لدي متسعاً من الوقت لأخذ كوب قهوة، اتجهت إلى ”ستاربكس“ لأجد قبالي ”بارستا“ سعودية. حدثتني نفسي أنها تعمل ككاشير! فما لبثت أن اتجهت لتجهيز طلبي بكل همةٍ ونشاط. قبل أشهر قليلة ما كنا لنشاهد ذلك. هذا يُسمى إحلالاً، فمن قبل كان لا يعمل سعوديون في دكان بيع القهوة هذا.

معدل البطالة بين المواطنين هو 12,8%، وفقاً للهيئة العامة للإحصاء في مسح سوق العمل للربع الثالث 2017. الهدف المرسوم في العام 2030 هو خفض معدل البطالة إلى 7 بالمائة. وفي بيان الميزانية للعام 2018، فقد ذُكِرَ خفض معدل البطالة مرحلياً إلى 12% نهاية العام 2018.

معدل البطالة لن ينخفض إلا بإتاحة ما يكفي من فرص عمل للسعوديين، والاتكال أن ذلك سيحدثه النمو الاقتصادي بمفرده، هو ضربٌ من الخيال؛ فوفقاً لبعض التقديرات فإن عدد الداخلين الجدد لسوق العمل يتراوح بين 250 و300 ألف مواطن ومواطنة، وصافي ما وظف الاقتصاد السعودي في العام الماضي «2017» يقارب نصف «122الفاً».

بالأمس صدر قرار وزاري بالتوطين الحصري لمنافذ البيع لعددٍ من الأنشطة، وهذا يعني إحلال السعوديين محل الوافدين، وبالقطع فإن ذلك سيعني تغييرات جوهرية لممارسة تلك الأنشطة لأعمالها، بما في ذلك تكاليف التشغيل. ولكن ليس من خيار آخر.

لنتذكر جميعاً، أننا نكرر دائماً أننا لا نعاني من بطالة حقيقية، باعتبار أن ما يزيد عن 10 مليون وافد يعملون في اقتصادنا، وأن كل المطلوب هو إحداث إصلاح هيكلي في سوق العمل. والاحلال هو ”الإصلاح الهيكلي“ الذي سيتيح المزيد من فرص العمل للمواطنين. نحن أمام تناقض فج؛ فمن جهة ينادي البعض بضرورة توظيف العاطلين عن عمل، لكنه من ناحية ثانية لا يريد أن تتحمل منشأته أي تبعات.

ذلك لن يحدث، الإصلاحات الهيكلية مؤلمة، في بلدنا الكريم هذا وفي سائر البلدان، بمعنى أننا حتى نتيح مجالاً لأبنائنا وبناتنا ليعملوا ويساهموا في تحقيق ذواتهم وتحسين معاشهم، فلابد من توفير عدد كافي وملائم من فرص العمل لهم، ولابد من أن يتأتى ذلك في المستقبل المنظور من مصدرين: الفرص الوظيفية الجديدة التي يولدها الاقتصاد، وفرص الاحلال التي تشغر نتيجة لتطبيق الإصلاحات الهيكلية في سوق العمل تحديداً وفي الاقتصاد ككل.

ولابد من بيان أن كون الأمر مؤلماً، فذلك لا يعني أنه مستحيل، بل يعني أننا نكابد في المدى القصير من أجل مكاسب مستدامة، فكما أن الاعتماد على مورد واحد «النفط» لتمويل الخزانة العامة أمر لا يعزز الاستقرار والتوازن المالي، كذلك فإن الاعتماد على استقدام الموارد البشرية يستلب رأس المال البشري للسعودية ويفتك بتوازن سوق العمل المحلية.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار