آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 4:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

عبد الله القديحي: عملت في الصيدلة والقانون والزراعة ولقبت بملك الشمام

جهينة الإخبارية حوار/ سلمان العيد - مجلة الخط العدد 20
  • توفي والدي غريقا في البحر وتحملت مسؤولية البيت في سن مبكرة
  • رعيت الغنم وعمري ست سنوات وحملت الرطب لبيعه في دارين ومياه البحر إلى عنقي
  • طفولتي جادة ونجاحاتي جاءت من الطريق العلمي البحت
  • تأخري في الالتحاق بالدراسة دفعني لأن اختصرها ثلاث سنوات
  • كنت اطبق علوم الصيدلة مع ابنتي في مستشفى واحد
  • تركت الوظيفة الحكومية 28سنة وعدت لها باختبار وقرار وزاري

حوار عبد الله القديحي

كنت أعرف أن ضيفي متميز، ويملك الشيء الكثير من المعلومات، والقدرات، ولديه من التجارب الشيء الكثير، لكني ـ وللحق ـ تفاجأت بما يملكه من إرادة ومواصفات شخصية، تجعل منه قادرا على الفعل والإبداع في أي مجال يتقدم إليه، فالشخص استطاع ان يجمع بين القدرات الأدبية «شعر ونثر»، والتخصص العلمي الصحي «فني صيدلة»، والنشاط الاقتصادي «مقاولات وزراعة»، فضلا عن أنشطته الخيرية والاجتماعية المختلفة، رغم انه التحق بالدراسة متأخرا «عمره 13 عاما»، ودخل المعهد الصحي باستثناء «ولديه سنة أولى متوسطة» بعد أن تخطى الاختبارات ومتطلبات الدخول الى هذا التخصص، كل هذا وهو من عاصر الضعف والتعب مبكرا وتحمل المسؤولية منذ نعومة أظفاره فقد فارقه والده «الذي مات غريقا» تاركا معه حملا ثقيلا «والدة مع خمس أخوات، وأخ»، وكل مجال يدخله يأخذه من جانبه العلمي، ولا يدخله خبط عشواء، رغم جرأته في المبادرة، ولا يتجاوز من هو اكثر خبرة منه في كل تخصص، لكنه لا يتردد ولا يتكبر على العلم، فلديه مكتبة هندسية، ومكتبة زراعية ومكتبة للمحاماة، فتعلم فنون الهندسة على يدي مهندس، وفنون الزراعة على يد دكتور متخصص.. اضافة الى كونه فنيا في الصيدلة، عمل بها لبضع سنوات، وقبل ذلك شاعرا وأديبا وحافظا لشيء غير قليل من التراث الأدبي للغة العربية، فهو عاشق اللغة العربية.. ومع ذلك وصف 

نفسه بــ «التاجر الفاشل».. تلك هي قصة عبد الله بن معتوق بن محمد القديحي «أبو محمد»، الذي رواها لنا متواضعا ــ كعادته ـ في الحوار التالي بموجب الفقرات التالية:

اولا:

الفترة من عام 1383 هجرية وعمره ثلاثة عشر سنة حتى عام 1392 هجرية، مررت بهذه المراحل «خمس سنوات ابتدائي بدلا من ست سنوات، سنة واحدة متوسط بدلا من ثلاث سنوات، ثلاث سنوات دراسة بالمعهد الصحي بمدينة صفوى تخصص صيدلة»

رعي الاغنام وركوب النخلة بالكر وتنظفت النخلة من بداية الموسم حتى نهايته وهي اربع مراحل.

التكريب «ما يعرف بالترويس» وهي ازالة الكرب ثم التنبيت وهي تلقيح الثمار بالنبات ثم التحدير أي تنزيل الثمار حتى تكون في متناول اليد ثم اخيرا الصرام وهي تنزيل الثمار الى الارض بالإضافة الى مرحلة الدراسة فكان المنجل والصخين في يد والكتاب في يد اخرى.

ثانيا:

حوار عبد الله القديحيمن تاريخ 1 / 6 / 1392 هجرية حتى 1 / 4 / 1400 هجرية، عملت موظفا حكوميا فني صيدلة في مستشفى الصدر في الدمام وكانت فترة العمل دوام واحد، درسة في الليل لاكمال المتوسط في القطيف ولم اكملها ثم درسة اللغة الانجليزية في معهد الادراة بالدمام على حساب وزارة الصحة وكنت غير متفرغ للدراسة وبعدها فتح صندوق التنمية العقارية ابوابه وحصلت على قرضين قيمة كل قرض 300 الف ريال وبدأت رحلة الشقاء وهي المقاولات وتمثلت بقول هذا البيت بعد ان مارستها «يا من يريد الانتحار وجدته ان المقاول لا يعيش طويلا» أعود الى صندوق التنمية العقارية حيث يشترط لمن يحصل على قرض ان تكون لديه ارض بموجب صك شرعي عليه رخصة من البلدية ويفترض ان يكون لديه من المال 25 % من قيمة البناء أي القرض الذي يكون 300 الف ريال يكون عنده بحدود 100 الف ريال، فأمام هذا المطلب يستحيل على انسان ان يبني بيته بدون ان يقترض او يوفر المبلغ، وبعد تبادل الافكار مع الاهل والاصدقاء قررت ان اضيف الى هاذين القرضين اربعة قروض اخرى واتفقنا سويا ان نجمع القسط الاول لسته قروض في موقع واحد ونعمل في بيت واحد حتى يصل الى الدفعه الثانية وبعد استلام الدفعه الثانية وقدرها 120 الف ريال نبدأ في البيت الثاني وهكذا كفينا حالة العوز والضيق المالي بالطرق التي اتفقنا عليها، وكوني كنت مسئولا عن هذه البيوت قررت ان اتعلم كيف اكون مقاولا ناجحا ملما بكل خفايا هذه الخريطة واتصرف فيها كما اتصرف في وصفة المريض على الشباك، واول عمل تعلمته بالمقاولات كيف اخطط الارض على الطبيعة وكان معلمي الاول احد الاخوة من الجنسية اليمنية حيث الطريقة للتخطيط ان تحاط الارض بحاجز خشبي على الحدود الاربعه ما يعرف في ذلك الوقت ب «الخنزيرة» وبعدها توضع المراكز لكل عامود بحيث يكون المركز في المنتصف قبله 10 سم وبعده 10 سم ان كان عرضه 20 سم، هذه الطريقة العلمية هي التي تقول لكل مشروع خطه مسبقة تسبقه توضع النقاط على الحروف في أي مشروع واهمها يكون مثلا بناء منزل او زواج او القدوم على أي مشروع، بعد هذه المعلومة المهمة التي تعلمتها من الاخ اليمني بدات اتعلم كيف استلم العامود وهو شده خشبية قبل الصبية في مركزه الصحيح ووقوفه الصحيح وسلامة جسمه من التعرض للانفجار في حال الصب وبعدها تتابعت المعرفة في اسرار الهندسة المدنية وقررت ان اتعلم كل شيء من البناء وذهبت الى القاهرة واشتريت مكتبه معمارية م مكتبة الانجلو الامريكية شارع ثروت باشا في وسط القاهرة بمبلغ الف جنيه مصري والجنيه في تلك الايام يعادل خمس ريالات، وبعد اخضار المكتبه استاجرت مهندس يعمل في البلدية يقرأ الدرس علي في البيت في يوم وفي اليوم التالي نطبق هذا الدرس على الطبيعه، وما ان انتهت الستة بيوت الا وقد اصبحت مساعد مراقب مباني استلم الخريطة واتصرف فيها كما استلم وصفة المريض واصرفها بكل ثقة، هكذا تعلمت المهنة على الموقع من الاساسات حتى تسليم المبنى واقوم بحسابها من الالف الى الياء لتحديد كمية الحديد والخرسانة والطابوق والاسمنت والابواب والنوافذ وكل ما يلزم لعمل اليد والمواد، هذه هي بداية التعلم بالمقاولات.

ثالثا:

في 1 / 6 / 1400 هجرية بعد ان استقلت من الحكومة عملت لي سجلا تجاريا من وزارة التجارة باسم مؤسسة تاروت واستاجرت مكتب في وسط السوق كان في كراج اخي ابو باسم رحمه الله، ثم استاجرت ما هو اكبر وهو بيت الحاج محمد عيد رحمه الله وهو عبارة عن فيلا كاملة كانت مستوصف تاروت سابقا وبعد ان توسعت اعمالي اشتريت ارضا في الربيعية على الشارع العام بمبلغ 600 الف ريال وبنيت عليها سكنا للعمال ومكتب مقاولات وهو شاهد على ما اقول، وكان عندي طموح كبير في المقاولات حيث كنت اقراء كتب عمالقة المعمار ومنها كتاب المقاول المشهور عثمان احمد عثمان واسم الكتاب هذه تجربتي، وكنت اسلم العمل الى أي مهندس مشرف ياتي الي من قبل مالك المنزل ويشهد على ذلك المهندس حسين بن جمعه رئيس مكتب العوامي الهندسي والمهندس امين سيد حسين ال شرف وهو رجل صعب المراس في تسليم العمل ولكن كنت اسلمه بسهولة ويشهد على ذلك المهندس عبد الشهيد السني وكنت انفذ سنويا بما يساوي ستة مشاريع لا تقل عن 3000 متر، وكنت اكسب سنويا بما لا يقل عن 200 الف ريال وجمعة خلال التسع سنوات اكثر من ثلاث ملايين ريال واعطيت المقاولات كل اجتهاد والاخلاص واستفدت من كل الخبرات التي قراتها او سمعتها او شاهدتها وكنت اتعامل مع العمالة بالانتاج بحيث يصل ما يستلمه العامل البلاط مثلا الممارس 4000 ريال والنجار 3000 ريال والعامل العادي يصل الى 2000 ريال بفضل الانتاج وهذا السر في النجاح هو ان تعطي الناس حقوقهم على حسب اخلاصهم في عملهم. انتهت الفترة الاولى من المقاولات.

رابعا:

حوار عبد الله القديحيالفترة من 4 / 10 / 1409 هجرية حتى 1 / 12 / 1415 هجرية وهي ستة سنوات وقبل هذا التاريخ بسنة حسست بالتعب من المقاولات وهي شاقة ومتعبه قررت ان احضر مساعد ليقوم مقامي في متابعة المقاولات وتم تعيين ذلك الرجل، وبدات ابحث عن مجال اخر يضاف الى عمل المقاولات ومن ضمن الذي لقيتهم هو الاستاذ المرحوم عبد العظيم ابو فوزي السنبل من اهالي الجش وهو مزارع ممارس وذكرت له ما اعاني من المقاولات رغم الارباح الكثيرة، فقال لي ادخل في المجال الزراعي حيث ان البيوت المحمية لا تقل عن المقاولات في الارباح واخرج لي من صندوقه دفتر به ميزانية 3 سنوات ماضية، هذا الدفتر مكتوب بالطريقة البدائية ولكن النتيجة بها ارباح بعد حساب المصاريف على المزرعة تمثلت بمزرعتين اكثر من 200 الف ريال في نهاية الموسم فدخلت الفكرة في راسي وقررت الدخول في المجال الزراعي حيث اني املك ارضا زراعية في منطقة الجعيمة على طريق الجبيل واتبعت الخطوات التالية: اولا ردم الارض الذي كلف مبلغ 500 الف ريال ثانيا حفر بار وكانت المياه صالحة للزراعة خلاف الابار المجاورة واول ضربة فوس ما يعرف «بالصخين» بدات بتاريخ 1 / 10 / 1409 وكانت مجموعة من تاروت تعرف «مجموعة عاملة جاسم بن سالم» وهم المرحومين الحاج حبيب الخاتم واخيه عبد الرسول والسيد حيدر ابو السيد ناصر اطال الله في عمره، منهم تعلمت كيف اسوي الارض من اجل الزراعة ثم كيف اشب الصمط وهو ما يعرب بالمسطبه وكيف اضع البذور او الشتلات داخل الشرب الزراعي وكان طموحي اعلى من ذلك فتعلمت كيف اربي النبات وكيف ازيل الثمار الزائدة وكيف اعمل برنامج وقائي للمزروعات مثل رش النباتات بالمبيدات كل هذه الامور كنت استاجر مهندسين ادفع للواحد منهم 300 ريال الى 500 ريال في الزيارة الواحدة بحيث يعلمني المهنة في الموقع وخصوصا في البيوت المحمية ويشهد على ذلك المهندس رفعت السيد من مؤسسة المعجل والمهندس احمد من مؤسسة السنبل وغيرهم كثير، وتعلمت على يد الدكتور طه الجزار رئيس قسم الخضار في جامعة المنصورة حيث درسنس كتابه اكثر من 300 صفحة وهي اساسية الخضار والبيوت المحمية، وعشقت الزراعة كثيرا وكنت احب زراعة الشمام دون بقية المزروعات، انتهت الفترة الرابعة.

خامسا:

من 1/1/1416 حتى صدور قرار مجلس الوزراء في عام 1426 هجرية المعروف بتبادل المنافع وهو القرار الذي يجيز لموظف الدولة ضم الخدمة مع موضفي القطاع الخاص الذي لديهم تامينات اجتماعية وكنت منهم،

لكل شيء بداية، فهل لكم ان تصفوا لنا أيامكم الأولى في هذه الحياة؟

حين أتحدث عن طفولتي، فإنني أقف عندها كثيرا، فهي طفولة مثيرة، وبها أحداث كثيرة ومتعددة، غلب عليها الجد والاجتهاد منذ بدايتها، وأكاد أقول إنني ولدت في بيئة قاسية، إذ لا يتصور أن شخصا لم يتجاوز عمره الخمس سنوات يقوم بأعمال شاقة، لا يقوم بها سوى الرجال من ذوي أعمار العشرين وما فوق، فمنذ كان عمر هذا الصبي «وهو المتحدث لكم» خمس سنوات دخل العمل مع الوالد، حيث كان في البداية يحمل السلة «الجفير» ويقوم بجمع الرطب الساقط تحت النخيل، فما ان ينتهي من جمع منتج نخلة حتى ينتقل إلى نخلة أخرى، وهكذا طوال اليوم، وبعد ذلك يقوم هو بنفسه بتنظيفه وإعداده ليكون طعاما يقدم الى الحيوانات «البقر والغنم».

وهل استمر هذا الأمر لما بعد الخامسة، أم أن هناك اعمالا أخرى اضيفت له؟

حوار عبد الله القديحي

بعد ان بلغت السادسة من عمري، أي بعد عام من تكليفي بهذه المهام الصعبة، حتى يضاف لها مهام أخرى، دون أن تتوقف المهام الأولى، هذه المهمة هي السرحان بالغنم في البر وسقايتها من العيون التي كانت تاروت عامرة بها، أي أن هذا الطفل يفتح الحظيرة «الزريبة» ويخرج مع الغنم ولا يرجع إلا مع أذان الظهر، ويتم رعاية الغنم، وفي حال كان هناك رطب في النخلة فإن من المسؤوليات التي تقع على هذا الطفل وهو في هذه السن المبكرة هو أن يحمل الرطب لبيعه في السوق، على الطريق المؤدي الى دارين، وفي مرحلة من المراحل ايضا وحين ينتهي جمع الرطب من تحت النخيل والذي يطلق مصطلح «الرقاط» ويتوقف السرحان بالغنم يكون من واجب هذا الطفل أن يتعلم ركوب النخلة، وكيفية إعدادها وتنظيفها وتجهيزها لموسم الرطب، وإذا نزل الرطب ينبغي عليه ان يقوم بنفسه بصعود النخلة وجني الرطب منها، ووضع ذلك المحصول في السلة المخصصة لذلك والتي تدعى «المخرفة»، ويحملها على رأسه ويذهب بها الى دارين على مسافة 3 كليومترات، في ظروف لم تكن مواتية دائما، إذ ان الطريق يغرق بماء البحر مع بداية ومنتصف كل شهر هجري تصل الى عنق الطفل الذي عمره عشر سنوات، الذي عليه ان يمر ذلك البحر، وعلى رأسه المخرفة ليصل الى دارين، ثم يأتي العصر في الظروف نفسها، وبعد ذلك التعب عليه أن يعد العدة ليوم الغد، أي صعود النخلة وتعبئة المخرفة وتجهيزها، تمهيدا لنقلها وبيعها في دارين.. تلك هي الطفولة، التي كانت جادة للغاية.

الابتدائية في خمس سنوات

في ظل هذه الظروف ألم تذهب الى المدرسة، علما أن ذلك الزمان الذي تتحدث عنه تكون المدارس قد دخلت في الخدمة، وعمر الخمس والست سنوات هي عمر المدارس الابتدائية، أليس كذلك؟

حوار عبد الله القديحي

كنت اتوقع مع بداية العام السادس من عمري أن أحمل حقيبة الدراسة مثلي مثل غيري، ولكني وبدلا من ذلك تم تكليفي باستلام زريبة الماشية.. وما أن بلغت العاشرة من عمري، رغبت في الذهاب الى المدرسة، حيث كنت أرى الأطفال يذهبون بحقائبهم، وكانت تنتابني الحسرة على ذلك، فكان رد الوالد يرحمه الله بالرفض، على اعتبار أن أخا لي «احمد» قد ذهب الى المدرسة، وليس من السليم ان يذهب الولدان إلى المدرسة، فمن يعاون الوالد في هذه الأعمال، واستمر الوضع حتى بلغت من العمر 13 سنة وأنا في محاولات مع الوالد للذهاب إلى المدرسة، وقد عملت حلا توفيقيا مع الوالد بأن أذهب إلى المدرسة صباحا، وأعمل معه عصرا وليلا، وأمام وساطة عدد كبير من الأقارب ممن يعرفون الوالد، الذي استجاب لضغوطهم بموجب هذا الشرط، وقد استجبت لذلك ودخلت المدرسة وعمري 13 عاما، وكانت الأمر في ذلك الوقت عاديا وكان هناك بعض الأشخاص ممن أعمارهم 7 سنوات مثل د/توفيق السيف والشيخ منصور السيف، والدكتور احمد المعتوق، وغيرهم، وكانت الدراسة في الصفين الأول والثاني أشبه بمرحلة تأهيلية، ولكن في الصف الثالث استطعت أن أقرأ واكتب بإملاء صحيح، وبدأت معي هواية حب القراءة من الصف الثالث، فلا يقع شيء في يدي ألا وقرأته، وكانت مكتبة الملا خليل ابوزيد، والملا عبدالرسول البصارى بمثابة كنز بالنسبة لي، حيث رأيت أن الخطيبين الفاضلين وكلاهما فاقد القدرة على البصر، ويعتمد الواحد منهما على ما يقرأ له من أشخاص آخرين، ومثل علي غنام واحمد ايوب ابوزيد فكانا يقومان بذلك، فدخلت أنا في الطريق وقرأ على الملا خليل متن الاجرومية وكان يشرح لي مفرداتها حتى تعلمتها على يديه، وصرت اتكلم باللغة العربية الفصحى، وحينما دخلت الرابع الابتدائي اعتبرت نفسي قد نضجت، وكان بعض الآباء يذهبون بي الى الشيخ علي بن يحي وكان يقرأ لهم كتاب قطر الندى وبل الصدى وكان حبي للعلم حبا شديدا، حينها طلبت ـ بمساعدة من الاخ على المحل رحمه الله على ان يعلمني النحو من كتاب قطر الندى وبل الصدى ـ ففعل ذلك جزاه الله خيرا.

اما عن المدرسة فكان مراقب المدرسة الاستاذ يوسف عيد، ومعه استاذ آخر يدعى استاذ رسلان طلبت منهما بأن يتاح لي المجال بالدراسة على فترتين، بمعنى أن أدرس الصف الرابع في النهار، وأدرس الصف الخامس في الليل، فرفعوا الأمر الى المدير فجاءت الموافقة، وقمت بهذه الخطوة الجريئة، وأنهيت الرابع والخامس في عام واحد، ونقلت فورا الى السادس، فأنهيت الابتدائية في خمس سنوات وكان ذلك عام 1388 هـ وسمعت خبر حصولي على الشهادة الإبتدائية من خلال المذياع وهو الشائع في ذلك الوقت.

الخطوة الثانية.. قصة المعهد الصحي

وماذا كانت الخطوة التالية؟

الخطوة الثانية إنني واصلت الدراسة وانتقلت إلى المرحلة المتوسطة، حيث درست الأول متوسط، ولكن في ذلك العام حصل وجرى حدث غير عادي، حيث أنه في يوم الاربعاء 29/2/1389 توفي الوالد غريقا في البحر، وكان ذلك من اصعب المواقف علي، فقد جرى الحادث قبل الاختبارات بثلاثة أيّام، واستمرت مراسم الفاتحة والعزاء، فجاءني زملائي من الطلاب وأخذوني الى المدرسة لكي اؤدي الامتحان، وفي تلك الظروف قدمت الامتحان وأخذت المركز الثالث على ثلاثة فصول، بعد احمد ربيع وشخص اخر، وفي تلك السنة وخلال فصل الصيف التحقت بالعمل في ميناء الدمام، برفقة كل من عبدالمحسن المصلي، وعبدالمحسن القلاف، واحمد مشيرب، وغيرهم وكان الراتب 7 ريالات في اليوم، وتعلمت خلال تلك الفترة بعض مفردات اللغة الإنجليزية، وكنت مجبرا على ذلك العمل إذ وجدت نفسي ـ بعد وفاة الوالد ـ مسؤولا عن اسرة تتألف من خمس اخوات والوالدة وأخي «حسين» وكان اخي احمد «أبوباسم، رحمه الله» قد تزوج وهو مسؤول عن أسرته، فقررت أن أترك الدراسة لكن أخي رفض ذلك حتى أنه اشتكى علي عند السيد فتح الله الموسوي الذي كان مدير المدرسة المتوسطة، الذي ضغط علي، وصادف في ذلك الوقت افتتاح المعهد العلمي الواقع وراء مستشفى الدمام المركزي، وكان يستقبل خريجي السادس ابتدائي ويحبذون من لديه اول متوسط، فقدمت الاختبار، وتم اختباري في اللغة العربية، فسألني احدهم ان اقرأ له بيتا من الشعر فقلت له: «بيت من أي عصر، وفي أي مجال، أهو في الرثاء، أم في المدح، أم في الهجاء» فقال لي: «في الحكمة» فأوردت له بيتا لزهير بن ابي سلمة الذي يقول فيه: «ومهما تكن عند امريء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم».. فقال لي المحاور المصري: «انت ناجح 100 %»، ولكن في اليوم الثاني اعتذر مني اذ جاءته تعليمات بعدم القبول دون ان يوضح السبب، فلم تجد تلك المحاولة، فبقيت اعمل في الميناء أول الليل، اضافة الى العمل مع البقر والنخيل في النهار، فكانت الامور تسير بتوفيق الله، ولكن خبر تركي للدراسة انتشر بين اهلي، وصار الكل يتحدث، وكان الاقتراح بأن أدرس الليل وأعمل في النهار، والجميع كان رافضا لأن أترك الدراسة، حتى ان بعضهم اقترح ان يجمع لي مالا من أجل مواصلة الدراسة، وأمام هذا الاهتمام جاءني شخص وهو «حبيب محمد صالح» وأخبرني بأن المعهد الصحي يقبل دون من اكمل شهادة الكفاءة شرط ان يكون ناجحا في الرياضيات واللغة الانجليزية ولا يمنع أن يكون راسبا في باقي المواد، وبادر «جزاه الله خيرا» بأن كلمهم بأن شخصا لديه الاول متوسط ـ وكانوا يطلبون اقلها خريج الثاني او الثالث متوسط حسب التعليمات ــ وطلب منهم اجراء امتحان تحريري، وشرح لهم ما أملك من كفاءات، وطلبوا منه خطابا من المدير، وكانت لديه علاقة بذلك المدير، الذي لديه هو الآخر علاقة خاصة مع مدير الشؤون الصحية، فوافق على هذا الاستثناء، حيث صادف أن فراش مدير الشؤون الصحية ويدعى صويلح من الخويلدية لديه ابن له طلب مشابه، فتمت الموافقة، واختبرت مع 160 شخصا من مختلف انحاء المملكة، أغلبهم من الاحساء ومن الشمال، وقد قدمت الاختبار وكان ترتيبي الثالث على مستوى الذين اختبروا، وحددوا لي الاختبار الشفوي يوم السبت 2/ربيع الأول /1390 فرحت لهم بثوب جميل وحذاء استعرته من أحدهم وكان اختبارهم الشفوي لا يتصور حيث أنهم يضعون أمام الطالب ثلاثة انواع من الدخان «كنت، ونستون، جريفن أي»، ويطلبون من الطالب ان يختار ما يريد وما يحب، وحينما طلبوا مني ذلك قلت لهم: «أنا لا أدخن» فقالوا لي: «حتى النارجيلة، والقدو؟» فقلت لهم: «انا لا أدخن شيئا من ذلك» فعرفت بعد ذلك أنهم لا يقبلون من يدخن، فجاء السؤال الآخر وكان عن صفات الماء الصالح للشرب، فقلت ببداهة: «هو الماء الذي لا طعم له ولا لون ولا رائحة» وحينما طلبوا الدليل على ذلك قلت لهم: «إن المياه الجارية والأنهار تكون لماعة، لذلك يشرب الناس منها».. وبهذه الإجابة قام الحضور بالتصفيق لي، خاصة وإني كنت أتكلم باللغة العربية الفصحى، فسألوني عن السبب في حبي للغة العربية فقلت لهم: «إن طموحي ان أكون صحفيا واكتب في الشؤون السياسية»، وصادف ان مدرس لغة عربية من الاردن ويدعى يونس حجازي كان ضمن الفريق المحاور قال لهم: «هذا الشاب يتحداني، فدعوني أسأله» فطلب مني بيتا من الشعر وأجبته كما اجبت سابقه، وقلت له: «الى أين يا فارس الخلد تمضي، وما الشوط حين يموت الجواد» فقال ماذا تقصد؟ فقلت اقصد موت والدي، فأعجب بي، وصار يتكلم معي باللغة العربية الفصحى، وراح يسألني وأنا اجيبه، فقال لي: «ماقيمة الانسان؟» فقلت: «قيمة كل امريء ما يحسنه»، فبادرني متسائلا: «من اين أنت ومن أين اتيت بهذه الحكمة؟» فقلت له: «انا من تاروت، وهذه من أوليات ثقافتنا الدينية، اخذناها من المنبر الحسيني»، فسألني عن الكتب التي قرأتها فقلت له: «قرأت جواهر الأدب» و«قطر الندى وبل الصدى، وأنا اواظب على قراءة مجلة العربي الكويتية»، بعدها طلب مني بيتا من الشعر الجاهلي في الحكمة ايضا فقلت له: «واعلم مافي اليوم والأمس قبله، ولكنني عن ذكر ما في غد عمي»، الى ان قلت: «سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم».. ثم طلب مني بيتا في الغزل من العصر الأموي فقلت له: «واستمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضت على العناب بالبرد»، فسألني عن معنى العناب فقلت له: «اطراف الأصابع»، ثم انتقل طالبا إعراب أحد ابيات الشعر وهو: «عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرجا قريبا»، فأعربت البيت على رأي الكوفيين والبصريين «، فقال المدرس الاردني:» ان بقيتم على مقابلة هذا الشخص فلن تقابلوا هذا اليوم غيره، فهو يتحداني وقد فاز بالتحدي" فتم قبولي في المعهد.

وهل قبلت في المعهد بدون عقبات؟! وكيف كانت الظروف في المعهد؟

حوار عبد الله القديحي

جاءت عقبة أخرى، هي عقبة النظر، ولكن صاحبي «حبيب محمد صالح» أخذني الى عيادة مسائية في الدمام، امام سوق الكويت، ومع الدكتور عبدالرحمن العباسي، فاختبرت بثلاثين ريالا، في اليوم الثاني تجاوزت الأمر بنجاح، وانضممت الى المعهد الصحي.. وكان ذلك بمثابة النصر، مثلي مثل من دخل معركة يتوقع الهلاك ويأتيه النصر، فقد ذهبت في ظروف صعبة، ولكن المعهد وفر لي سكنا ودراسة وأكلا و200 ريال شهريا، بينما كنت اعمل في الميناء في التحميل، بــ 210 ريالات، وكلها ظروف صعبة مثل تنزيل الاسمنت والطحين والخرفان، وأصعبها تحميل وتنزيل الخرفان.. بينما في المعهد هناك دراسة بثياب نظيفة ووجبات صحية، وحققت نتيجة 96% في الصيدلة وكنت الثاني على الدفعة، وبهذا وفقني الله ان اختصرت ثلاث سنوات، فقد انهيت الدراسة في 9 سنوات بدلا من 12 سنة، وأصبحت موظفا واستلمت راتبا اكثر مما يأخذه خريجو الثانوية.

العمل في القطاع الصحي

بعد المعهد الصحي، والدراسة، أين صارت بك الحياة؟

في السنة الأولى بعد التخرج من المعهد والوظيفة كفني صيدلة وفقني الله للزواج، وأخرجت اهلي من الحياة البسيطة الى منزل مستأجر في الديرة، وأدخلت باقي اخواتي الى المدرسة ليواصلوا حياتهم العلمية، بحكم مسؤوليتي عنهم.. وتم تعييني كمتدرب في الرياض، وكان للدكتور أحمد الزاير شقة على شارع الوزير، وطلب منا ان نسكن معه «علي عباس أوال وأنا» وذات يوم كنا نمشي في البطحاء اذا بصوت يناديني بإسمي «عبدالله القديحي» ويكررها مرارا، وكان ذلك من فندق تاج الجديد، فلما دققنا النظر اذا هو عبد اللطيف المحاسنة، وحينما كلمناه قال لنا: «انا مسجون في الفندق، حيث رفضوا إخراجي حتى اسلم ما ترتب علي وهي 500 ريال»، وصادف ان لدي في جيبي 3000 ريال، من مجموعة رواتب جمعت في ذلك الوقت، المهم افرجنا عن الرجل وسكن معنا ليلة واحدة وذهب في الصباح الى تاروت وأعطى اخي احمد خمسمائة ريال، وكان ذلك بداية لسمعة محترمة، حيث شاع بين الناس أن فلانا فك فلانا في الرياض.

وهل بقيت في الرياض، أم انتقلت الى المنطقة الشرقية؟

حوار عبد الله القديحي

جاء قرار بأن أنتقل الى جيزان، ولكن صك الإعالة الذي كان معي حيث يثبت أنني أعيل اخواتي الخمس وأخي ووالدتي، فكان مفتاح فرج لي، وأتذكر ان بعضهم يستأجرون اشخاصا كبارا في السن على انهم اباء لهم، كنوع من التمثيل، المهم ان تعييني تم في المنطقة الشرقية بعد محاولة دامت اسبوعين ولها قصة طويلة، وصادف ان جئت الى المدير نفسه الذي طلب منه حبيب محمد صالح ان يتوسط لي في الشؤون الصحية، فعملت معه 6 سنوات بموجب عقد يقضي أن أعمل ضعف ما درست، فعملت في مستشفى الأمراض الصدرية، وكان يصرف لنا بدل عدوى قيمتها 140 ريالا شهريا، كانت كافية لتموين المنزل من اللحم والدجاج والفاكهة والسمك لمدة شهر كامل، وقد تفوقت على أقراني وما توجد دورة إلا ويتم انتدابي لها، حتى فصلوا مستشفى الأمراض الصدرية عن باقي المستشفيات فصارت لنا ميزانية خاصة، وكنت أذهب الى الرياض بانتداب لجلب تلك الميزانية، مع بدل العدوى، والراتب الشهري، فكان لدي عقيدة راسخة بأنه من كان مع الله كان الله معه. وأستطيع القول إنني بفضل الله ثم بفضل صك الاعالة حصلت على منحة ارض في الخبر بعتها بـ 20 الف ريال، واستفدت من فترة وجودي في المستشفى كثيرا كوني السعودي الوحيد حينها، حتى تم ارسالي لحضور دبلوم اللغة الانجليزية بمعهد الإدارة العامة بالدمام غير متفرغ، على حساب وزارة الصحة.

قصة المقاولات

بعد أن أنهيت الست سنوات في المعهد الصحي، ماذا كانت وجهة العمل؟

خلال الفترة بدءا من 1396هـ فتح صندوق التنمية العقارية ابوابه فتوجهت له مع مجموعة من الإخوة للحصول على قروض بناء، وكانت لدى كل واحد منا أرض، وكنت قد حصلت على أرض اشتريتها بـ 2000 ريال اقترضتها من بنك الرياض، بكفالة احمد بن الشيخ صالح المبارك «رحمهما الله» على أن اسدد كل شهر 100 ريال، وتجمعت لدينا 6 أراض بستة قروض، قمنا بعرضها على المقاولين فصار لزاما علينا ان ندفع مبلغا كبيرا، فوق طاقتنا، فقلت للأخوة: «لماذا لا نبني بأنفسنا، حيث نجمع الأقساط، ونقوم بالبناء ونخوض التجربة»، فأخذنا الخيرة من الملا خليل «حفظه الله» وتوكلنا على الله، وفي غضون ثلاث سنوات انجزنا الستة بيوت، وشاءت الأقدار أن أحدالآباء كان لديه سجل تجاري فاستقدمنا عددا من العمال بإسمه من مصر، حينها ابتدأت علاقتي بالمقاولات، ولأني شغوف بالقراءة، ذهبت الى القاهرة واشتريت مكتبة معمارية تتألف من 26 كتابا، وصرت اقرأ تلك الكتب، وجلبت معي مهندسا يشرح لي، وكنت اقرأ الكتاب ليلا، وأتناقش معه ويشرح لي في النهار، مقابل مبلغ مالي محدد، وكنت اقرأ وأطبق، وما أن أنهيت المنازل الستة، ثم أخذت بيوتا اخرى، وخلال مواقف عدة مع عدة مهندسين المهندس الذين قالو في حقي انت الان افضل من مساعد مهندس، وذلك أمام عدد من المهندسين مثل مكتب العوامي، حينها قررت الاستقالة من الحكومة، وصرت اعمل في المقاولات، وطوال عشر سنوات «1400 ــ 1410» كنت اكسب سنويا 250 الف ريال، فحققت مكاسب مادية من عرق جبيني، وصرت متمرسا وأخذت مكاني في المقاولات والمكتبة الهندسية موجودة.. وكان اكبر مشروع قمت به هو بناء مبنى الجمعية التعاونية بصفوى على مساحة 3000 متر مربع، بقيمة 3 ملايين و500 ألف ريال.

الم تدخل مشاريع كبرى في الجبيل والدمام؟

دخلت مناقصة لبناء 54 فيللا سكنية في الجبيل، ودخلت في مناقصة شارك فيها عدد من الشركات السعودية والمصرية والكورية، وكانت قيمة المشروع ـ حسب نتائج المناقصات ـ تتراوح بين 50 ـ 60 مليون ريال، وكان قيمة عطائنا 54 مليون ريال، والبعض قدم عطاء بقيمة اقل من 40 وهناك من زاد على الـ 60 فخرجت من المناقصة

البديل المر

وماذا جرى بعد العشر سنوات في المقاولات؟

حوار عبد الله القديحي

بعد عشر سنوات من العمل مللت من المقاولات، شعرت بعدم الاستطاعة، فبحثت عن البديل، فلقيت الاستاذ عبدالعظيم سنبل «أبو فوزي» فشكوت له مصاعب المقاولات فاقترح علي أن اقيم مزرعة، ففضلت الفكرة، وكنت قد حصلت على قرض من البنك الزراعي بــ 300 الف ريال، ووقع في يدي كتاب «الاصول الزراعية في بناء البيوت المحمية»، وكان صاحب الكتاب رئيس قسم الخضار في جامعة المنصورة د. طه الجزار يعمل لدى شركة الياسين بالاحساء فطلبت منه أن يعلمني كل يوم أربعاء فتعلمت من خلال الحقل، فصرت أقرأ وأجلس معه، وأذهب معه الى الحقل إسبوعيا، وحضرت دورة حول استخدام المبيدات، وكذلك ندوة عالمية عن النخيل، وفتحت لي مشروعا زراعيا حتى صرت أدعى بــ «ملك الشمام»، أي انني صرت افضل من يزرع الشمام، وكونت لي مكتبة زراعية متكاملة عن البيوت المحمية والمكشوفة، وكانت شركة ارامكو السعودية تسمح لنا بالاستفادة من خبراتها، فصرت ممارسا للزراعة كممارستي للمقاولات، وكنت احضر ندوات في كل مكان، في الرياض وجدة ودبي، واستمر الحال على ذلك حتى عام 1415 كانت كلها عطاء، حتى انني اذهب كل يوم الى منطقة الجعيمة على طريق الجبيل، وصار لدي استعداد لحضور أي ندوة، وتجريب أي بذرة، ولكن بعد ذلك تراجع القطاع الزراعي، وتراجعت الأسعار وصارت لدي خبرة في الزراعة، ولم اترك المقاولات بالكامل فصارت لدينا بيوت في رحيمة، ووضعت مليون ريال في الزراعة، بعدها فتحت محلات قصر تاروت، وعش تاروت للسيراميك، فابتدأ معي نشاط آخر.

العودة للوظيفة الحكومية

كانت تلك الفترة فترة افول الطفرة النفطية، وقد تراجع كل شيء كيف تعاملت معها؟

في الفترة 1416 ـ 1426 خسرت كل الذي جمعته، وأسميت نفسي بــ «التاجر الفاشل»، حينها وعلى اثر قرار مجلس الوزارء القاضي بتبادل المنافع، بين من لديه خدمة في الحكومة وخدمة في التأمينات الاجتماعية، علما بانني كنت مسجلا في التامينات الاجتماعية، وفكرت في العودة الى العمل فقالوا لي إن النظام يقضي لمن يترك الاعمال الفنية ان يعمل سنة مجانا، فوافقت على ان اعمل كفني صيدلة، ولا يمنع ان اعمل سنة كاملة مجانا، وصادف أن إحدى بناتي كانت صيدلية وصرت طالبا عندها، فرجعت الى العمل كفني صيدلة بعد التدرب وتم اختباري مرة أخرى في الرياض ونجحت، وقدمت على ديوان الخدمة المدنية، حيث دارت المعاملة على اللجنة وقالوا ان التأهيل عام 1390 لا ينطبق على الوضع في الوقت الحاضر، فخريجو المعاهد الصحية هم ممن حملوا الثانوية، فأرسلت برقية لوزير الخدمة المدنية على ان التقى به، وبعدها تم قبولي ووافق على عودتي، وعدت مرة اخرى موظفا في الحكومة، واستجابة لتعليمات الدولة بالتخلص من الاعمال التجارية فبعت محلات قصر تاروت ومؤسسة تاروت للمقاولات، بقيمة 300 الف ريال، ورجعت موظفا حكوميا عام 1428 وفي العام 1430 تقاعدت عن العمل، ورجعت استلم راتبي من التأمينات الاجتماعية.

متقاعد ولكن

وماذا بعد التقاعد؟

انا لم اتقاعد عن العمل بشكل عام، إنما تقاعدت عن العمل الرسمي الحكومي، وعدت فتحت محلاتي التي كانت شبه مجمدة وكوني اجبرت على ان ادخل المحاكم في مفتره من الفترات نتيجة لشكوى احد الاشرار علي في دعوى كسبتها فتحت لي الباب بعدها ان اتعلم النظم والتعليمات مثل كتاب لائحة المرافعات الشرعية ولائحة الدعوة الجزائية وكتاب دفع الدعوى الجزائية اثناء المحاكمة وكتاب القواعد الشرعية بعده طرا علي ان اخذ بعض القضاية وتعلمت التداعي على يد محامين معروفين مثل الاستاذ خالد السنيد والاستاذ طلال الاحمدي مستفيدا من بند في النظام يجيز لكل مواطن ان يأخذ ثلاث قضايا، فصرت ادرس نظام التداعي على مستوى المملكة، وكانت أكبر قضية كسبتها هي دعوى أقامها بعض العمال على كفيلهم وهو يعمل في صيد الأسماك، وكان عددهم 26 عاملا، وكانت دعواهم تقول بأنهم لم يستلموا رواتب لمدة ثلاث سنوات، وكان يقتضي ذلك ان يدفع لهم كفيلهم 400 ألف ريال، حينها وبعد مداولات عدة تحدثت في المحكمة حول قاعدة «ما يجري بين العقلاء حجة عليهم»، حيث أن العائد الذي يحصل عليه الصيادون يقسم بعد كل عملية صيد وهذا معروف في وسط البحارين، فطلبت من القاضي ان يذهب بنفسه الى ميناء الجبيل ويلتقي بالعمالة هناك ويسالهم عن موضوع القلاطة بدون مرافقتي، واخذته بنفسي الى ميناء دارين والتقى ببعض البحاره وثبت له ان هؤلاء العمال المدعون كاذبون حيث ان الحقيقة هو ا يعرف بالقلاطة وهي قسمة المال بعد كل عملية صيد وبعضهم كل اسبوع وبعضهم كل شهر وهذه القضية لم اتقاضى عليها أي اجر.

وعندي قضية اخرى منذ عام 1430 هجرية الى الان وهي قضية سرقة مليون وسبعه وسبعون الف ريال وهي لاتزال قائمة وانني سوف اكسبها ان شاء الله، وسبق ان اخذت عدة قضايا منها قضية احمد عبدالله فردان الذي تمرد عليه بائع البيت واراد ان يخرجه من بيته ولكن بفضل الله كسبت القضية وحصتي منها كانت حوالي 40 الف ريال علما بانه قدروها بانني استحق 120 الف ريال ولكنني لم اطلب غير هذا المبلغ.

هل اخذت دورات جديدة في الدراسة؟

وبالمناسبة اخذت دروة حول الاداري المتميز بفندق كارلتون المعيبد قيمتها 12 الف ريال، وقدمت لتلك الدورة بحثا اخذت عليه جائزة التميز، حيث سئلت عن اهم استثماراتي فقلت لهم ان اهم استثماراتي هي تربية 6 بنات وولدان وضمنت لهم حياتهم بشكل مرتب، ووقفت لهم حياتي كي يتعلموا. وعندي حاليا ابنه صغيرة عملت لها برنامج في بنك الرياض يسمى برنامج بناء وهذا البرنامج ميزته انه يسلم مبلغ في حدود 400 الف ريال دفعه واحده في حال لا سمح الله أي سوء.

قصة الإبداع

بعد هذه المسيرة في عالم الاستثمار والمال، كيف دخلتم عالم الشعر والأدب؟

في الحقيقة ان من يجالس قوما يتعلم منهم، فمن يجالس عالما يأخذ شيئا من علمه، فأنا وجدت نفسي منذ صغر سني في مجلس الملا خليل ابوزيد، وأرى رواد مجلسة يدخلون مساجلات ومباريات شعرية، ومنذ نعومة الأظافر «وانا وأمثالي» نتتلمذ على ما يقدمه لنا الخطباء من وجبات شهية من الأدب والشعر، فتولدت لدي حالة من حب الأدب، التي ابتدأت بالسماع وتطوّرت بالقراءة، حينها تبلورت الموهبة، فحينما تواظب على قراءة كتاب نهج البلاغة، وتسمع الخطب الذي ألقاها الإمام علي فإن شيئا في نفسك لابد وأن يخرج.. كما وإنني ومنذ صغري اتابع برنامج «قول على قول» في إذاعة لندن، إذ أن المذياع كان صديقا لي منذ زمن طويل، لا اترك نشرة اخبارية إلا واستمعت لها، وبحثت وناقشت بعض الأحداث التي ترويها هذه النشرة. هذا التشابك المعلوماتي جعل لدي انطباعا بأنني حين أرى شيئا احاول أن اقرأه وأدرسه وأنفذ ما يشبهه، ففي أبوظبي رأيت تصميم فندق الشيراتون، وهو على شكل قلاع فحملت الفكرة ونفذتها لأحد الزبائن يوم كنت أعمل في المقاولات، والحال نفسه في عالم الأدب والشعر فكل ما أراه أو اقرأه فهو يخلق انطباعا في نفسي، فأنا كل يوم أرى صورة من الصور الأدبية، وخيالا رائعا في الشعر الحسيني، من هذه الاجواء نشأت موهبة الشعر، وتولدت لدي حالة من الحب والعشق للشعر والإنتاج الأدبي، استتبع ذلك حب القراءة الذي ظل مصاحبا لي منذ زمن طويل، فكل اعداد مجلة العربي بكل ما تحتوي من مقالات وقصصا وخواطر وغير ذلك

هذا العشق والهيام بالأدب، ألم يتأثر بفعل العمل في مجال الصيدلة، والمقاولات، فكيف تمكنت من الجمع بين هذه التناقضات؟

حينما ذهبت إلى الصيدلة، وبعد ذلك المقاولات، انحسرت لدي فكرة الأدب، وأنا لم اعتد الجمع بين عملين في وقت واحد، فالأدب ابتدأ معي في المراحل الدراسية الأولى حتى ان مدرسي اللغة العربية أول ما يدخلون الفصل يطلبون مني مغادرة الفصل، ولكن الذهاب الى عالم آخر يفرض علي التركيز على ذلك العالم، فمن يرد النجاح والإبداع فعليه التركيز، ومن يرد تحقيق الإنجاز فعليه بالتفاني في المجال الذي يعمل فيه، ولكن الذي حصل ان المقاولات والصيدلة جاءت لظروف اقتصادية، بينما الأدب جاء نتيجة حالة فطرية. اما الزراعة فهي جائت نتيجة لرغبه ارادية مني بدون ضغوط وصدق من قال ان الانسان مسير غير مخير.

الم تفكر في يوم من الأيّام ان تكون خطيبا او مدرسا؟

لا، لسبب وجيه انني لا أملك الصوت المناسب لكي اكون خطيبا، رغم انني من رواد ديوانية الملا خليل، وتفتحت عيناي على مساجلات الخطباء وتداول تجاربهم، لكني لم أجد نفسي في هذا المجال، ولم أر نفسي صادقا ونزيها حتى أكون خطيبا وموجها للناس.. اما بالنسبة للتدريس، فقد درست عددا من الشباب اللغة العربية، وقدمت دروسا في الاسعافات الاولية في الجمعية، وأعطي دروسا خاصة، ولكني لم اتمنى لنفسي ان اكون مدرسا الى الأبد.

ما هو المبدأ الأساسي الذي تسير عليه في الحياة

إن من المباديء الاساسية التي اسير عليها في حياتي هو أي شيء يخدم الآخرين، ولا يخسرني شيئا يجب ان اعمله، فأنا على استعداد لتقديم أي شيء يدخل السعادة والسرور للآخرين، وأي شخص استطيع خدمته لن اتوانى في تقديم ذلك، فما دخولي عالم المحاماة الا لهذا الغرض، وهو ايصال حقوق الناس لأصحابها، دون أن استبعد الجانب المالي فهو الاصل في دخولي هذا المجال.. ولدى فكرة اساسية أسير بموجبها وهي أن الإبداع لا يأتي طفرة واحدة، وإنما يأتي نتيجة التفاني، ولو تفانى البحار في عمله، والبقال، والعامل والتاجر لزاد عدد الناجحين لدينا، فالشعر القديم لم يترك شيئا اذ يقول:

بقدر الكد تكتسب المعالي
ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلا؟
يغوص البحر من طلب اللئالي

وأرى ان مثل هذه المباديء التي ينبغي ان يتدرب عليها ابناؤنا، وهي التي تعتمد الجد والصدق والتفاني.

هل حدث وندمت على شيء في هذه الحياة؟

لقد ندمت على اشياء كثيرة وعديدة، فقد ندمت، لو اني واصلت الصيدلة لاصبحت الان صيدليا مرموقا ولو انني واصل اعمال المقاولات بشكل المنظم والمرتب لاصبحت الان عندي اموال ابني بيوت لنفسي وابيعها للاخرين، ولو اني واصلت الزراعة لاصبحت الان عندي مجموعة مزارع اسوة بمن تملكو المزارع اتي كانت تباع بمبالغ بسيطه، فانا اندم على تركي المقاولات مبكرا والزراعة، صحيح اني تركتها لظروف بعضها نفسية وبعضها اقتصادية بحته، لكنني لو واصلت الطريق لأصبحت اليوم في وضع آخر في المجال الزراعي

هل لديك امنية تتمنى ان تتحقق؟

نعم لدي امنية وهي إنشاء روضة للأحفاد، واعلمهم الشعر والادب والاستفادة من كل ما ينفعهم وبالذات الدروس الحديثة في المجالات العلمية وعندي حاليا 14 حفيدا.

اراك ناجحا في كل المجالات التي دخلتها، ماذا عن الجوانب العائلية والاجتماعية؟

في الحقيقة انا من ساهم في بناء نفسه، والزمان خدمني ولم أخدمه ولكن هناك قاعدة اساسية لتكوين اسرة ناجحة، وهي حينما تريد ان تتزوج فاختر امرأة كان والداها صالحين متصالحين، وكذلك خالتها وزوجها، وعمتها وزوجها، حيث سوف ينتج منزلا مستقرا، «اذا تزوجت فكن عارفا واسأل عن الغصن وعن منبته».. فالتربة الصالحة هي التي تخرج النبتة الحسنة والثمار التي يستفيد منها المجتمع وهم الابناء والبنات. والله الموفق.

لو سألناك عن أي المواقف افزعتك؟

هناك العديد من المواقف التي أفزعتني، لعل أبرزها ان أحد الآباء توفي ولده في الدمام، ولم تكن هناك في ذلك الوقت جمعية تنقل الموتى، فذهب الى أحد سائقي الأجرة واتفق معه على نقل الميت من الدمام الى تاروت، واشترط عليه ان يأخذ منه 20 ريالا، فكان له ذلك، وحينما تمت عملية النقل قال سائق السيارة: «خذ ولدك على ظهرك، وإلا رميته لك على الأرض»، وحينما سمعت بتلك القصة ذهبت الى سائق التاكسي في المحطة بالدمام ولم أترك كلمة إلا قلتها له

ماذا يؤلمك وماذا يسعدك؟

يؤلمني إذا رأيت أموالا تذهب سدى، فأتألم كثيرا حينما أرى منزلا يبنى بشكل خاطيء، ومصدر ألمي هو أن اموالا تصرف في غير محلها، ويسعدني كثيرا حينما أرى منزلا يبنى بشكل صحيح، ويسعدني كثيرا واقف متغزلا عندما ارى نخلة قوية التنشئة وقد اعتنى بها زارعها ونظفها احسن تنظيف حيث اخذت مكانها الصحيح وهذا ينطبق على الابن الصالح والبنت الصالحة.

ما هو الشيء الذي ندمت عليه حديثا؟

الذي ندمت عليه حديثا انني حاليا عندما تاتي دعوة وبعد ان ادرسها واقرر ان اخذها اطلب من صاحبها ان يكتب معي عقدا واحدد الاجرة اما معروفة قيمتها او جعالة والجعالة بمعروفها هو استلام الاجر بعد نجاح القضة والسبب في ذلك ان احد الاخوة طلب مني ان اساعده كي يبيع مزرعته ويوفي دينه وكان يتوجب على هذا البائع ان ياتي الى المشتري بسلامة ما يبيع فلابد من معرفة الاوراق في البلدية والمحكمة فعملت على هذا الامر كثيرا وكلفت محامين ليطلعو على اوراق هذه المزرعة من المحكمة والبلدية ودفعت لهم اموال على ذلك وبعد ان انتهت المعلومات عن البيع عرضت المزرعة للبيع فجائو اهل صاحب المزرعة وارغموه على بيعها ب 400 الف ريال علما بانه وعدني سوف يعطيني اتعاب بواقع 20 % ولكن اهله عجزو عن احضار كامل المبلغ له فطلب مني ان اساعده في بيعها فبعتها له بمبلغ 800 الف ريال وصغت له عقد البيع على المشتري بحيث لايجوز له فك البيع مطلقا، ومن اجل ذلك قطعت سفري وحضرت اليه ولكن في مجلس البيع وعدني ابنائه بحضوره بان المبلغ سوف يصل اليك في بيتك ومضت الايام ولقيته وسالته عن المبلغ فكان جوابه غير متوقع حيث قال ان العمولة يدفعها المشتري فقلت له هذه ليست عمولة وانما هي اتعاب عمل ودفعت عليها اموال والى الان لم يدفع ما دفعته له من سلف مالية عليه وقد توفاه الله ولم يبادرو ورثته لدفع ما عليه.. هذه القصة وامثالها تمنع سبيل المعروف والثقة في الناس.

*****

لقد كان لدينا الكثير الكثير للحديث معه ولكنها وقفة قصيرة ومختصرة اليس كذلك؟

نعم يوجد الكثير ولكن الى مقابلة اخرى ان شاء الله.. وصلى الله الله على محمد وال محمد