آخر تحديث: 24 / 6 / 2018م - 3:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

التنمية المستدامة والمخاطر البيئية 2 - 2

نجيب الخنيزي صحيفة الجزيرة

أصدرت شركة أرامكو السعودية كتابًا مهمًّا تحت عنوان «الأطلس البحري لغرب الخليج العربي». الكتاب الذي جاء في مجلد من القطع الكبير احتوى على نحو 400 صفحة.

وقد ذكر المدير العام للشؤون العامة في الشركة الأستاذ عصام زين العابدين توفيق أن هذا الأطلس الذي نضعه بين أيديكم يعد الأول من نوعه في المملكة؛ فهو يضم بين دفتيه ثروة معلوماتية، تلقي الضوء على كل ما يتعلق بشؤون البيئة والحياة الساحلية المحيطة بالخليج العربي، كما يرصد الدراسات العلمية المتخصصة التي أجرتها أرامكو السعودية في منطقة الخليج على مدى أربعة عقود. كما يُبرز الكتاب التنوع الزاخر الذي عُرفت به منطقة الخليج العربي، ويسهم في التعريف بآليات حمايته وأساليب المحافظة عليه.

كما أشار الأستاذ خالد بن عبد العزيز الفالح رئيس أرامكو السعودية وكبير إدارييها «وزير الطاقة والتعدين الحالي» آنذاك في مقدمة الكتاب إلى ما يحتويه الأطلس من معلومات ثرية، وما يوفره من وسيلة فاعلة لتعزيز التثقيف البيئي، ورفع درجة الوعي البيئي في الشركة وفي غيرها من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ولدى الناس عامة.

سلّط الأطلس الضوء على مياه غرب الخليج العربي التي تطل على سواحلها دول مجلس التعاون الخليجي، والتي عدها من بين أكثر الأنظمة البيئية تنوعًا وثراء في المنطقة. وقد لعبت هذه البيئة البحرية النشطة والغنية دورًا جوهريًّا في حياة ورفاهية شعوب المنطقة لآلاف السنين؛ إذ أسهم الصيد والغوص على اللؤلؤ والتجارة البحرية في منطقة الخليج العربي بشكل كبير في بناء ثقافتنا وربطها بالحضارات المختلفة في العديد من أرجاء العالم، وهو ما تمثل في المواقع والأدوات و» اللقى» الأثرية المكتشفة لحضارات قديمة، كالحضارة العبيدية التي تعود إلى 6000 سنة قبل الميلاد، وحضارة دلمون التي تعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد، وغيرهما.

كما تعد مياه الخليج في الوقت الحاضر أحد الشرايين الحيوية الرئيسية التي تمد العالم بالطاقة «البترول والغاز»؛ إذ تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بصفة رئيسية على النفط، كما تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، الذي يقدر بنحو 486 مليار برميل، وهو ما يعادل 35,7 % من إجمالي الاحتياطي العالمي من النفط الخام، وما نسبته 70 % من إجمالي احتياطي دول الأوبك.

تطرق الأطلس إلى المخاطر المحدقة ببيئة الخليج، الذي يعتبر شبه بحيرة مغلقة، تتصل بمضيق هرمز الذي لا يتجاوز اتساعه 20 ميلاً. علمًا بأن عدد ناقلات الزيت والغاز التي تزور موانئ السعودية ودولة الكويت فقط سنويًّا نحو 3500 ناقلة، إلى جانب النمو السكاني والعمراني والصناعي، وخصوصًا التنمية الساحلية؛ إذ تتركز فيها الصناعات البتروكيميائية والأسمدة الكيميائية «تسعى دول الشمال إلى ترحيلها إلى الجنوب» ومصانع تحلية المياه، التي تساهم بالضرورة في زيادة تلوث الجو والمياه وزيادة ملوحته. والأمر ذاته يشمل أعمال الردم والتجريف العشوائي للأهوار «المستنقعات الملحية» والسبخات «المسطحات الملحية» واقتلاع أشجار ونباتات القرم «الشورى» وتدمير مواطن الأعشاب البحرية والشعب المرجانية التي تشكل مأوى للعديد من الأسماك والربيان والطيور المهاجرة، وذلك بغرض إقامة مخططات سكنية أو مشاريع صناعية ملوثة للبيئة، ودون أي اعتبار لوجود مئات الألوف من الكيلومترات في الصحراء الخالية المجاورة للمدن الساحلية.

علينا التوقُّف أمام ظاهرة بيئية خطيرة، تتمثل في جفاف مئات العيون الجوفية الطبيعية التي كانت تزود واحتي القطيف والأحساء بالمياه العذبة على مدى آلاف السنين؛ إذ جرى استنزاف مياهها في البداية لغرض حقن آبار النفط، ثم تعرضت للإهمال وغياب الصيانة الدائمة، بل الردم المتعمد من قِبل مالكيها من أجل تسويغ تحويل المناطق الزراعية إلى مخططات سكنية.

حتى الآن لا توجد دراسات بيئية جادة منشورة حول التأثيرات البيئية على صعيد مياه وتربة وسماء الخليج نتيجة لحروب الخليج الثلاث، التي من بينها تدمير وغرق ناقلات النفط، وحرق آبار نفط الكويت وتسريبه في مياه الخليج، وكذلك استخدام الجيش الأمريكي سلاح اليورانيوم المنضب في حرب تحرير الكويت عام 1991، وهو ما اعترفت به الحكومة الأمريكية آنذاك.

تلك التعديات أخلت بالتوازن البيئي في المنطقة، الذي تشكل على مدى ملايين السنين، وإنه من العسير تعويض تلك الموارد البحرية التي تعرضت للضرر.

صحيح أن شركة أرامكو السعودية قامت مشكورة بالتعاون مع جهات أهلية بإعادة زراعة عشرات الآلاف من شتلات القرم في جزيرة تاروت وصفوى ورأس تنورة، غير أن الأمر يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة، وخطط استراتيجية طويلة الأمد لتنمية مستدامة في أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. كما يتطلب الحد من تفاقم التدهور البيئي سَن تشريعات وقوانين صارمة لحماية البيئة، ومنع التعديات على السواحل، والعمل على نشر ثقافة بيئية من خلال التعليم والإعلام.. كما يتطلب أن تقوم الجهات الحكومية المعنية ومنظمات المجتمع المدني بدور مركزي في التوعية الشعبية، ورصد ومراقبة ومحاسبة الانتهاكات الخطيرة التي تطول البيئة، وتؤثر بصورة مباشرة على حياة البشر ومستقبل الأجيال القادمة.

إصدار كتاب الأطلس البحري من قِبل إدارة حماية البيئة في أرامكو السعودية هو عمل تأسيسي على هذا الصعيد، كما هو مثال ملهم على الجهد العلمي والبحثي والميداني العميق والغني؛ وذلك لتغطيته جوانب تاريخية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية مهمة لغرب الخليج العربي.