آخر تحديث: 20 / 9 / 2018م - 2:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

باكمان «Pac - Man»

نودعُ الشتاءَ واعتدالَ الحرارةِ قبلَ أن يضعَ فصلُ الصيفِ يده الخانقةَ على الحياةِ ويكسوها سباتاً تتنهدُ فيهِ مستعطفةً الربيعَ أن يأتي.

في صفحاتِ كتابِ أيامٌ من حياتنا نرى أنفسنا من خلالِ الاجسادِ والأرواحِ الغضةِ التي هي للقادم من الأيام. نظن أننا كنا أعظمَ وأعقلَ وأرشد وكل الصفات الفضلى وهم يحتاجونَ أن تجلدهم الحياةُ بسياطها ليصلونَ إلى ما وصلنا إليه. ليس هذا ولا ذاك، لكلِّ مساءٍ وردةٌ تستغربُ ضعفها شجرةُ الصباح. نحنُ كنا مثلهم في كُلِّ شيء.

جاءت العابُ الفيديو في الثمانينات من القرن الماضي يومَ كنا أجساداً وأرواحاً طريةً وشغفني واقراني حبُّ لعبة باكمان. كان دخلنا الشهري حوالي 600 دولار نقسمها بينَ كلفة سكنٍ وزوجة وباكمان.

نقضي الوقتَ ممسكينَ بعصا اللعبة محاولينً جمع نقاط الباك والتملص من بلنكي وبنكي وإنكي وكلايد والانتقال إلى المرحلة اللاحقة.  في شهر رمضان نذهب لشراءِ حاجياتِ الإفطار وبدلاً من إحضارها بسرعة نتسلى في اللعبِ وأحياناً نطلب من أزواجنا الانتظار حتى نلعب ولو مرَّة واحدة عندما نخرج معاً. يصل الحاسبُ إلى رقمٍ نحاولُ الحصولَ على ما بعده ولكن في لحظةٍ ماكرة يأتي الصوتُ الحزين معلناً هزيمتنا على يدِ أحدِ الأشرار.

لم تكن تلك اللعبة وقتها متوفرةً على هاتفٍ محمول أو جهازِ حاسوب في بداية ظهورها عام 1980م، بل كانت في الأسواق والجامعة ومراكز الترفيه بحيث تلعبها وأنت تقف في طولها.  نستمتعُ بها بين الحصصِ في مجمع الطلاب في الجامعة ونستبدل الدولار الورقي بعملةٍ مزيفة تمكننا من اللعبِ أربعَ مراتٍ بالدولار الواحد.

لا يبقى مركزُ الجامعة للترفيهِ مفتوحاً على الدوام مما حدا بي وثلاثة من الأصحاب ارتيادَ مكانٍ خاص بألعاب الفيديو حتى وقتٍ متأخرٍ من الليالي. يسمح المحل بالتدخين ويزدحم، يصعب البقاءُ فيه لمدةٍ طويلة تحتَ سحائبِ الدخان ولكنَّ ذلك لم يثنينا عن الذهابِ إليه كلما استطعنا. انتقلت العدوى لمعظمِ أصحابي فذاتَ مرةٍ كنا مسافرين وكلما احتجنا وقوداً أو استراحة يهربُ أبراهيم ونبحثُ عنه لنجدهُ عند الباكمان مما أطال مدة الرحلة. لو رآنا رجالُ الأمسِ حينها اسْتَيْأَسُوا أن سوفَ نصبح رجالاً!

كبرنا وصغر باكمان وتوالد بآلاف تحمله جيوبنا ولا يحتاج من يلعبه ربعَ دولار، فقط وقتاً يضيعه في حبه كما كنا. لم نكن صغاراً أو دونَ مسئولياتٍ ولكن لكلِّ جديدٍ صنعتهُ يدُ الإنسانِ فترة يشتغل بهِ الناسُ ثم يمضونَ أو تلوحه شمس الزمن. تتشابهُ الأجيالُ في التوقِ إلى اللعبِ وعندما تدق ساعةُ أبناءِ البشر الجينية لحملِ شعلةِ الحياةِ يصبحُ كلَّ جيلٍ أقوى وأصلبَ من الأجيالِ التي سلفت.

تتغير الحياةُ عند الكبار وتتغير عواطفهم وأمزجتهمْ معها وتبقى قدرةُ الأطفالِ والشبابِ على استخلاصِ الغبطة التي يسكب الجمال روحه فيها خاليةً من الإحساسِ بسواه بانتظارِ أن يصبحونَ رجالَ الزمانِ القادمِ والدولةِ القادمة. عندما ترى ابنكَ يلعب لعبةً تظن أنها سخيفةً لا تبكِ من أجله، صوتٌ من داخلهِ يسألكَ هل تستطيعَ أن تعطيني فرحاً أكثرَ مما أنا فيه؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
قارئة
[ القطيف ]: 13 / 3 / 2018م - 8:27 ص
I totally agree. We need to distribute this kind of thinking to bridge the gap between the old and new generations .
مستشار أعلى هندسة بترول