آخر تحديث: 15 / 12 / 2018م - 11:47 م  بتوقيت مكة المكرمة

المكان.. الجسد.. اللغة

محمد الحرز صحيفة اليوم

انتماؤك إلى المكان الذي تعيش فيه، هو انتماء إلى جسدك، وتفتح الحواس على إيقاع الأشياء من حولك هو المعنى الحقيقي للانتماء. الجسد لا يكبر في الفراغ، والحيز الذي يشغله على حبل الكلمات يختلف عن الحيز الذي يشغله في الواقع، تعودنا دائما أن نقول: هذا هو المكان الذي ولدت فيه أو هذا هو المكان الذي تربيت فيه، أو هذا المكان هو المفضل لدي، أو في هذا المكان لي ذكريات جميلة إلى آخره. لكن تسمية الأشياء تحجب بقدر ما تثبت المعنى وترسخ جذوره في جميع الخطابات، وإلا ماذا يعنيه المكان في جميع الأحوال السابقة؟! سوى أنه يشير بصورة ضبابية إلى حيز من الأبعاد في اللغة فقط، وكلمة «المكان» فيها لا تؤدي سوى وظيفة ذلك الجندي الذي يغطي حفرة كبيرة بأوراق الأشجار في الغابة كي يتستر بها عن الأعداء، وليس الأعداء هنا سوى كناية عن القراء الذين يعبرون الكلمة دون أن يتفطنوا ما يختبئ تحتها من أشياء وتفاصيل دقيقة. لذلك فالجسد في اللغة يشبه البهلوان الذي يمشي على الحبل، فهو دائما مهدد بالسقوط في أي لحظة رغم خبرته العالية في التدريب.

مجرد الإحساس بالسقوط هو الثغرة التي تتوسع مع الزمن في جدار اللغة، والتوسع لا يعني الهدم في نهاية المطاف، بل يعني تجدد اللغة وميلادها وفق ديناميكية الإحساس ذاته. بينما الجسد في الواقع انتماؤه للأرض هو الأساس، وهو في ذلك يشبه الشجرة التي أغصانها تنمو للأعلى وجذورها تنمو للأسفل، ولا مفر له ولا مهرب من فكرة الإحساس بالأرض والشعور بها بمجرد ملامسة قدميه ويديه لحظة سقوطه من الرحم، وكأن الملامسة هي صندوقه الثمين الذي يضع فيه مختلف الأحاسيس التي تتجمع لديه طوال حياته. فهل لهذا الصندوق دلالة في تصوراتنا عن المكان الذي نستعمله كتسمية فيما يخص علاقته بالجسد؟

الأصوات أيضا أين موقعها من التسمية؟ لماذا لا نرى لها آثارا فيزيقية على الجسد مثلما هو الوشم الذي يرسم بأشكال مختلفة عليه؟ أيكمن السبب في ارتباطه بالهواء أكثر من ارتباطه بظاهر الجسد، وعليه لا نلتفت كثيرا إلى الصلة الوثيقة التي يتأسس عليها انتماؤنا للمكان. لكن الالتفات هنا لا يمكن التنبه إليه إلا على مستوى اللغة، وهنا تكمن المفارقة، فالإنسان حين اكتشف خزائن السرد معرفيا حمله الكثير من الأسرار التي فكت مغاليق الجسد وحواسه وكل ما يتعلق به من مميزات وخصائص، يكفي أن تجيل نظرك لتراث السرد القصصي والروائي العالمي حتى تكتشف عمق الفتوحات التي طالت خريطة العالم في تماسه مع الجسد بحيث أربك كل تصوراتنا عن المكان، ورغم ذلك يبقى هناك شيء لم يكتشف، فالواقع في بعض الأحيان ينأى بالجسد بعيدا عن تصورات اللغة، فنحن ندخل دائما في لعبة الذاكرة والنسيان، وهذه اللعبة بالنسبة لأفعالنا وحركاتنا في الحياة أشبه بالنهر الذي يندفع بقوة ونحن على ضفتيه نركز أنظارنا فقط على نقطة ماء صغيرة في وسطه بينما بقية جريانه لا نراه.

ندخل دائما في لعبة الذاكرة والنسيان، وهذه اللعبة بالنسبة لأفعالنا وحركاتنا في الحياة أشبه بالنهر الذي يندفع بقوة ونحن على ضفتيه نركز أنظارنا فقط على نقطة ماء صغيرة.