آخر تحديث: 20 / 8 / 2018م - 1:08 ص  بتوقيت مكة المكرمة

السمو الروحي والوجداني

من النعم الإلهية على المؤمنين أن أتاح لهم من المواسم الزمانية مضمار تدريب وتهذيب لأخلاقياتهم وسلوكياتهم، ويوقف عقولهم في لحظات تأمل على تبصرة الحقائق والمفاهيم بعيدا عن صخب الحياة والانشغالات التي يمكنها أن تأخذ من المرء وقته وجهده، ومنها الشهر الكريم الذي يزخر بكنوز الحكمة والسمو الروحي والتألق في العلاقات، فرصة ثمينة لصياغة الشخصية الإيمانية ورفدها بعناصر القوة والثبات في معترك المواجهة مع تسويلات أهواء النفس والشيطان، إذ يسقط أمامها النفوس الضعيفة التي لا تملك مناعة ولا يقظة تهبه التحرز والتهيب من الاستجابة للشهوات، وهذا التغيير الإيجابي يسلط ضوء الإرادة على التخلي عن الأخطاء ونقاط الضعف التي يغزوه منها الشيطان، فيعمل في هذه الدورة التدريبية على تصفية نفسه من رواسب المعصية، ويطهرها بعطر الطاعة فيستنشق عبير الطمأنينة.

نعم، هناك رسالة واضحة في هذا الشهر الكريم مفادها أن روح المؤمن وفكره وسلوكه يخضع لعملية غربلة وإعادة نظر ومحاسبة، يرجو أن يخرج منها في نهاية المطاف بآثار يتسلح بها في ميادين الحياة، وتتشكل السلة الرمضانية التربوية من مجموعة فضائل ودروس تهذب نفسه ووجدانه، فعلاقاته لن تكون مطلقة العنان يرتكب فيها من الأخطاء في حق الآخرين ما يحلو لمزاجيته أو عصبيته، بل هي محكومة بقانون الإحسان ومراعاة الغير والتسامح والبعد عن كل أشكال الإساءة، فثوب الصوم الذي يرتديه يستر عورة مواقفه بالانضباط وحفظ الحقوق، فالصوم ليس بحالة الجوع والعطش لبدنه بينما جوارحه تفطر على لحوم الناس ومص دمائهم.

من تلك المضامين الروحية التي يكتسبها الصائم هي روح التحمل والصبر في اللحظات الصعبة ومواجهة التحديات ومحطات التعثر، وذلك أن الصوم في جانبه المادي إمساك عن المفطرات وأهمها شهوة البطن والفرج، وفي الجانب المعنوي - لتحصيل الحالة المبتغاة من صومه وهي التقوى - عليه أن يكف جوارحه عن التعدي على الآخرين والإساءة لهم، وهذا ما يخلق منه شخصية قوية ما اعتادت على الرخاء والراحة والتعاجز، بل يواجه ظروفا متنوعة عليه أن يبدي فيها الإرادة القوية، وأي نجاح وتألق يمكن تحقيقه إن لم يكن المرء صاحب مثابرة وعزم لا يلين في مواجهة الصعاب، وهذه الومضة التربوية تتكفل مدرسة الصوم بزرعها كسلوك دائم فيه.

والتهذيب للصائم يشمل جانبا مهما في شخصيته ألا وهو الجانب الوجداني، إذ رقة العواطف والتعامل الحسن في محيطه الأسري والاجتماعي هو هدف أساسي من تشريع الصوم، فالتعامل المزاجي العصبي والاستجابة السريعة المتهورة عناوين ينبغي للصائم أن يتخلص منها، والدعوة لمواساة الفقراء واليتامى وتلمس آلامهم في هذا الشهر الكريم، ما هو إلا بري لمشاعره وتهذيبها من الجفاف والقسوة، فالكلمة الطيبة التي تخفف عن المكروب همه أعظم الصدقات والعطايا التي يقدمها ويصنع بها عالما من المحبة.

وهذا شهر التسامح فأفضل الأعمال فيه الصفح عمن أساء له، فتلك الكتل الخرسانية الكبيرة من المشاعر السلبية والكراهيات التي فصلت بين القلوب وأبعدتها عن الود والإحساس بآلام الآخر أما آن لمحوها!!

ففي هذا الشهر الكريم فرصة لتصفية الأفئدة من الإحن ومعالجة المشاكل المسببة للخلافات، ومراجعة حالات القطيعة بين الأرحام والجيران والأصدقاء.