آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:22 ص

إسلام القراءات التعميمية

محمد الحرز * صحيفة الشرق السعودية

الإسلام كان هو الاستثناء الوحيد من جميع الأديان الذي بقي ممانعاً ضد التحول إلى العلمنة، وذلك دائماً حسب آرنست غلنر الباحث الأنثروبولوجي، الذي نوقشت آراؤه وأبحاثه من طرف عديد من المفكرين العرب من قبيل سامي زبيدة، رضوان السيد، إدوارد سعيد.

لكننا نريد هنا فقط أن نتوقف على الجزئية التي ألمح فيها إلى جملة الأسباب التي أدت إلى مثل هذه الممانعة دون التورط في استدعاء هذه النقاشات إلا بما يتصل بسياق موضوعنا الذي نتناوله هنا.

يعتمد غلنر في تفسيره هذا الاستثناء على فرضيتين: الأولى تخص مفهوم الأصولية في تصورها العام، والأخرى ترتبط بنظرية العلمنة التي جرى استخلاصها من التطورات التي طالت عموم المجتمع الغربي.

لقد وجد أن أفضل فهم للأصولية في إطار موضوعه إنما يتم من خلال ما تنكره. وما تنكره هو ما فرضه العلم على ذهنية المجتمعات الحديثة من تصورات وقناعات بدلت موقف الإنسان من الدين والإنسان والحياة، فعلى سبيل المثال التناقض الذي تراه الذهنية الأصولية بين سفر التكوين وآرائه في خلق العالم وأصل الإنسان من جهة، وبين الآراء العلمية من النظرية الداروينية إلى الفيزياء الكونية الحديثة من جهة أخرى، هو ليس تناقضاً أو بتعبير غلنر نفسه لا يسبب «أي قلق للمؤمنين الحداثيين»، فهم يفترضون - أي هؤلاء المؤمنون - أن الآراء العلمية والمعتقدات الدينية رغم تناولها على ما يبدو نفس الأحداث فهما يقعان في الحقيقة على مستويات مختلفة تماماً، بل جرى التعبير عن كل منهما إجمالاً كما يعتقد بعضهم بلغة مختلفة، ضمن أنواع متميزة أو منفصلة من الخطاب».

أي بعبارة موجزة أن الاختلاف يقع على مستوى التعبير وليس على مستوى جوهر العقيدة أو المعتقد. لا يخفى أن هذا التصور الذي يطرحه غلنر للأصولية كي يقيس عليه أحد أسباب الممانعة الإسلامية هو تصور يرتبط أساساً بالتاريخ الكنسي المسيحي في تصديه للفرضيات العلمية التي تطورت بالضد منه منذ القرن السادس عشر.

رغم أننا نتفق معه تماماً على توصيف حالة هذه الممانعة التي تطال بعض المجتمعات الإسلامية. وما يثير الانتباه أيضاً هو اختزال التاريخ الإسلامي بجميع طوائفه وتشعب معتقداته وشعوبه من خلال قراءته عبر مفاهيم مسقطة عليه من الخارج كما هو حال مفهوم الأصولية.

فغلنر حينما يستعرض التاريخ الإسلامي يرى أن المسألة المركزية التي ينبغي التركيز عليها هنا هي انشطار الإسلام إلى: إسلام نخبوي رفيع يمثل ثقافته العليا الفقهاء والعلماء والمفكرون، وإسلام شعبوي قاعدي تمثل العامة ثقافته الدنيا.

ولم تكن حسب رأيه الحدود فاصلة بين الاثنين، بل كانت في كثير من الأحيان يكتنفها الغموض والالتباس. وعليه فقد بنى تحليله على هذه الفكرة مستنداً على استنتاجات عديدة، من أهمها أن الإسلام الرفيع كان يعيش في المراكز الحضرية وتعتنقه طبقة التجار البرجوازية، وهي عادة ما تكون أقرب إلى التقيد بالقوانين والنظام والقواعد والتعلم والابتعاد التام عن التفكير اللاعقلاني والعاطفي في نشر الدين.

أما أتباع الإسلام الشعبوي فهم إذا ما عرفوا - كما يقول - «القراءة والكتابة فإنهم يستخدمونها لأغراض السحر وليس كأداة للعلم والثقافة، وهم يركزون على الشعوذة أكثر من التعلم والنشوة والوجد والانجذاب الصوفي أكثر من التقيد بالقانون والنظام».

ويستخلص بعد ذلك أن الإصلاحية الإسلامية حاولت عبر الإسلام الرفيع أن تؤسس لنظام أكثر صفاء وطهراً. لكنها ما إن تؤثر على جمهور الإسلام الشعبوي بفعل ثورتها وهيجانها حتى يخمد وهج هذا التأثر عندما تعود هذه الجموع إلى قبائلها في البادية.

وتظل تتكرر هذه المحاولات مرة بعد أخرى دون انتصار الواحدة على الأخرى. وهو بهذا التحليل لا يشير إلى شواهد أو أمثلة. بحيث يظل كلامه مختزلاً إلى حدود العصر الحديث الذي يرى أن القومية من جهة والاقتصاد الحديث لعبا دوراً كبيراً بجانب هذين الشقين من الإسلام.

لكن دعوني أركز على ما تبقى من مساحة في هذه المقالة على أوجه الإشكالات الذي يثيرها مثل هذا التحليل. وكما قلنا إن التوصيف الأنثروبولوجي مطلوب في فهم التاريخ الإسلامي ولكن ليس شرطاً يمكن من خلاله الاقتصار عليه في فهم الإسلام ولا أحد يدعي ذلك، اللهم إلا إذا كانت فكرته لا تساعد على فتح الباب للنقاش والحوار، بما تشتمل عليه من يقينيات، يجوز الاقتصار عليه في حالة المجتمعات التي لم ترتبط مجتمعاتها بحضارة معينة كشعوب الآزتيك أو الشعوب الأسترالية أو الشعوب الإفريقية.

وليس القصد هنا إضفاء قيمة عليا في التفريق بين هذا الشعب أو ذاك في عملية تبريرية في حال استخدمنا هذا المنهج أو ذاك. لكن كل ما في الأمر أن الحضارة الإسلامية من التنوع والتعدد والتباين في الطوائف والفرق والأحداث يصعب معها حصر ظواهرها دون الاعتماد على جدلية الفكر والواقع على اعتبار أنها حضارة نص بامتياز.

إن خاصية التعميم والاختزال هي من سمات الخطاب الغربي في قراءاته حول الإسلام كدين أو كحضارة. آرنست غلنر لم ينفلت نموذجه النظري من تعميمية سوسولوجيا ماكس فيبر القائم على النظرة المركزية للشعوب الأخرى، رغم استخدامه الثنائية الجدلية «المدينة والقبيلة» كما وردت في نموذج ابن خلدون.

وقد أشار سامي زبيدة في معرض مناقشته أفكاره إلى هذه النقطة، موضحاً أن النموذج الخلدوني الذي طبقه غلنر يرتكز «على التمييز والتعارض اللذين يقامان بين القبيلة والمدينة». فالحكام الذين يستولون على المدينة هم جاؤوا بالأساس من البادية، واستوطنوا المدينة وتحضروا فيها.

أما الرجال الذين يعيشون خارج المدينة من القبائل فهم يشكلون قوة مسلحة لا تخضع لسلطة هؤلاء الحكام إلا إذا كان هؤلاء أقوياء بما فيه الكفاية بحيث يسيطرون على تمرد القبائل بالقوة، أو كانوا أثرياء بما فيه الكفاية لشراء ولائهم. وضعف الدول وضعف سلطتها ومن ثم سقوطها حسب هذا النموذج تتحكم فيه العصبيات القبلية من خلال جدل العلاقة بين المدينة والقبيلة في تاريخ الاجتماع الإسلامي، وكلهم يعلم مركزية هذا المفهوم في نظرية ابن خلدون.

يتساءل سامي زبيدة: لماذا لم يناقش غلنر نظرية ابن خلدون ويشكك في صلاحيتها بدلاً من تعميمها على عموم المجتمع الإسلامي؟ إذن هل من الممكن القبول بكلام مؤرخين حول مجتمعهم دون محاولة التشكيك أو السؤال عما يقولونه؟ أليس وعي السؤال والشك في التاريخ هو وعي غربي بالدرجة الأولى؟ لماذا عندما يتصل الوعي بالتاريخ الإسلامي يجفل ويتراجع؟ وهذا هو ديدن كثير من الدراسات الاستشراقية التي ظلت تتوجس من الوعي السيكولوجي للمسلمين تجاه تاريخهم.

ربما يتعزز الشك كما يقول سامي زبيدة عندما «نتوقف عند تاريخية ابن خلدون. فهو كان يكتب في زمن اضطراب سياسي استثنائي في المغرب بحروب متواصلة تقريباً بين السلالات والقبائل. وهو نفسه كان منغمراً بعمق في السياسية ودسائس الصراعات السلالية خادماً هذا الحاكم أو ذاك مغيراً ولاءاته ببراعة فكان أحياناً يضبط ويسجن».

بالتأكيد هناك نقاط عديدة تلفت الانتباه في نموذج غلنر من تعميمية واضحة بحيث دائماً ما ترضي القارئ الغربي الذي يرتاح عادة إلى مثل هذا التعميم. لكن تحسب لهذا النموذج المحاولة في الاتكاء على نموذج نظري من خارج دائرة الفكر الغربي. رغم ما حفيت به من مخاطر في المقاربة والتطبيق.