آخر تحديث: 25 / 6 / 2018م - 8:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

فقدان الأب

محمد سليس

قد يندفع بعض الرجال لعدم إكمال هذا المقال لِمَا يحمله من حساسية لطبيعة الرجال والخصوصيات التي جُبِلوا عليها. تغذى الرجال منذ طفولتهم على لون من التربية الذي تحول إلى فكر متأصل فيهم، وهو أن الرجل محارب. والمحارب لابد أن يكون صامداً جامداً شامخاً لا يلين حتى ينكسر. لا مجال للمشاعر أن تظهر فمن المعيب على الرجل أن يذرف الدموع ومما يفتخر به الرجل بأنه يتمتع بالخصوصية فلا يبوح بما يشعر من سعادة ورضا أو على النقيض من حزن وأسى فهو قد بنى له جدران وهمية تحجبه عن الآخرين.. متى رأيت رجل يعانق رجل؟ أو يعانق محارمه عناق المشاعر؟

يقول نيل تشيثك في مقدمة كتابه «فقدان الأب» عشت مع والدي مدة ثلاثة عقود لم أرى فيها ذلك الرجل الصلب يبكي أو تذرف منه دمعة كأنما قناته الدمعية قد عطلت، إلى أن وقف على جثمان والده - جدي - بكى بكاء المرأة الثكلى حتى أحمرت عيناه وكل زفرة منه كأنما تنطبق أضلاعه وتخرج روحه. ظلت هذه الصورة الغير مألوفة في مخيلتي إلى أن وقفت على جثمانه فعصفت بي موجة الحزن وآلمني فراقه. حينها قررت أن أبحث هذه الحالة - فقدان الأب - بحثاً ميدانياً وأقدمها على أنها دراسة أكاديمية.

خلاصة البحث أن علاقة الأب مع ابنه عادةً تعلوها الهدوء والصمت ويكون فيها جفاف وبٌعد جسدي أي أن الأب لا يضع يده على كتف ابنه ولا يبحرا بالنظر في صفحة الوجه، لكن على كلِّ ذلك فهي مهمة جداً لحياة الابن وذات عمق في روح الابن. طبعا، هذا لا يخص الأب البيولوجي بالتحديد.

ينقل عن إسكندر العظيم أنه يقوم بإجلال واحترام لأستاذه أرسطو ويعتبره أباه الذي أخرجه من عالم الرذيلة إلى عالم الكرامة. ويقول الشاعر: قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا.

إذاً، «الأب» الذي يشير إليه تشثك في كتابه وكذلك علماء النفس بشكل عام، هو شخص يكون في موقع القدوة فيغذي الأفكار ويربي في الشاب السلوك والمعرفة. فالأب إما أب فعلي وإما أب روحي مثل الرسول، المدرس، العالم، الشيخ، إمام الجماعة، الجار. وينشط دور الأب الروحي في حالة فقدان الأب الفعلي فقط.

إذاً! ما معنى فقدان الأب؟

فقدان الأب أو الأب المفقود هي حالة يُتْم واقعية يعيشها الابن - الذكر - أو مجازية. حالة اليُتْم الحقيقية هي التي تكون ناتجة عن وفاة الأب. أما حالة اليُتْم المجازية فتكون بفقد الحضور الجسدي أو التواجد الوجداني للأب. وبشكل موجز وإجمالي أعرض لصور الفقد.

الأب المفقود كاملاً:

يفقد الأب بسبب خطف الموت له. أو بسبب الطلاق وهجران الأم. السبب الأول قهري والسبب الثاني اختياري.

الأب المفقود جزئياً:

بعض الآباء جزء من عملهم السفر والغربة الطويلة، فالعلاقة بين الأب والابن متقطعة. حينئذ جسور الوصل تكون متقطعة تبعاً لظرف العلاقة.

الأب المهمش:

وهو بأن يكون الأب موجوداً بجسده وغائباً بمشاعره. قد يكثر هذا الوضع من الآباء الذين ينعزلون عن أبنائهم بحجة طلب الراحة، فمثلاً يأتي الأب من العمل فيخيم الصمت على البيت لأنه متعب ومن ثم يدخل للنوم فتقول الأم لولدها التزم الهدوء والدك يريد الراحة.

بهذه الحالة تنشأ حالة يُتْمٍ لدى الابن فيذهب يبحث عن من يسد هذا الفراغ والحاجة للجدار الذي يستند عليه. وهنا يملئ الفراغ بالأب الروحي الذي قد يكون عالماً ربانياً يسمو به وبأخلاقه ويرفع من همته فيكون النجم اللامع. أو إنه يقع في شراك الأب الروحي الخطأ كرئيس عصابة أو انتهازي فيدمره وينزع الأخلاق الحميدة من قلبه الطاهر. ماذا لو لم يجد أباً روحياً؟

على حسب مباني فرويد في علم النفس فإنه إما أن يكون «womanizer» ذَا علاقات متعددة بالنساء أو أن يكون شاذاً جنسياً.

يقول نبيل تشثك علاقة الأب مع ابنه أمان للأبن من الضياع حتى لو كان الأب له تصرفات حمقاء - على حد تعبيره - أو يظن أنه ليس بأب جيد. هذه العلاقة تطور من ذات الابن وإن كانت العلاقة مضطربة وكثيرة العصيان ففي النهاية هذا العصيان ناتج عن علاقة تواصل لا تنافر.

العبارة المشهورة ”ليت الكبار يقدرون وليت الشباب يعلمون“ تؤكد على أن العلاقة بين الأجيال علاقة معرفة فالشباب يبحثون عن الكبار والكبار لا يجدون الأرض الخصبة ليبذرون تجربتهم. وفي الواقع أنا لا أريد أن أتعب قلب الكبار أو أن أقول بأنهم فشلو في كونهم آباء مفقودين. لأن روح المحارب التي أودعت في قلب الرجل الكبير أدت إلى الاحتراق أو الضمور، وثقل السنين ترك أثرها على إحدى صور الاكتئاب أو الإحباط أو الأمراض المزمنة أو الإرهاق الجسدي أو ضعف العلاقة الجنسية أو العصبية في المنزل أو العزلة. ولأن مهمة المحارب أهم من حياته فتعلموا كيفية تخدير الجراح أو الإحساس بالألم.

في النهاية، اجعل علاقتك مع ابنك علاقة الأحباب انظر في عينيه أمسك بيده ضمه لصدرك املؤه من كلام المدح والعبارات الحنونة كما كان يفعل أمير المؤمنين مع ابنه الحسن حين قال من ضمن كلامه «وجدتك بغضي بل وجدتك كلي فكأن إذا أصابك شيء أصابني» وقدّ حرم الله عزّ وجلّ من الإملاق على الأبناء بشتى صوره ﴿وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ الأَنْعَام 15ح1