آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 8:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

صخرة الأميال

تنتحر آثامُ المؤمنين بُعَيْدَ منتصفِ شهر حزيران في لهيب الحر ويأتي يومُ العيد لينشر برداً وسلاماً بعد شهرٍ من الاحتشامِ والامتناع عما يُغضب الربَّ والتزلف إليه فيما يحب. له دوام الشكر أَنْ أرانا وجوهاً قَلَّ أن نراها واسمعنا الحاناً قَلَّ ما سمعناها وافهمنا معانيَ قَلَّ ما فهمناها في رياضِ العشق الإلهي.

نسافر في حياتنا أسفاراً قصيرةً تنتصب أمامنا تماثيلاً لرحلةِ العمر بكليتها. يمر الطريقُ في السفر بمنعطفاتٍ ومباهجَ وخيباتٍ وتسارع وتباطؤ. عندما يأخذنا سأمُ الطريق ورتابته نرى على جانبي الطريق علاماتٍ تعد لنا ما بقي في الرحلة من أميال. تمثل لنا الأرقامُ أملاً بأن العناءَ سوف ينتهي ويلقي الترحالُ عصاه حين تختفي الأميال. تتوثب أجسامنا وأرواحنا للبقاء بعد كل صخرةٍ على الطريق حتى نصل نهاية الرحلة.

أيامُ الأعياد ليست سوى أحجاراً كُتِبَ عليها أميالُ الرحلة، نقرأها ويتجدد فينا الأملُ بأن بيوتَ الحي بانت وعندما يصل المسافرون في رحلات الروح متخففونَ من كل متاع ويقولون الحمد لله نحن خلوٌ من ثقل معصيةِ الرب. دخلنا دوائرَ الكمالِ وسرنا أميالاً في القرب من الله. تحمل كلمةٌ من ثلاثة أحرف ”عيد“ ما لا يحمله غيرها من المعاني وليس أقلها الشوق إلى العود والتكامل والرقي.

تعمل كل مؤسسةٍ ناجحة على منح منتسبيها دوراتٍ في مدارسَ خاصة ترتقي بمعارفهم الحرفية والسلوكية لتعود عليهم وعلى من ينتظم فيها بزيادة الأرباح والتقدم في سلم العمل وتعطي المدرسةُ كل من يحضرها شهادة امتثال وحضور عند النهاية في حفلاتٍ ولحظاتٍ سعيدة. ويكون العيد بعد فترةٍ من انصراف الجسد والروح في دورة الكمال اللامحدود يظهر الجسد بعدها في ملابسَ بيضاء كأشعة الشمس.

نعود في العيد صغاراً في مشاعرنا وكأننا ننتظر فصلاً جديداً من المدرسة نمر إليه بين أزقة الحي القديم فيها نقول لأيام الفرح والسعادة تعالي، ولم لا!. يثق الضعفاءُ في كرم الرب يومَ العيد بأن لهم فيه عطايا بعد أن أتمت أرواحهم رحلتها التي فاضت على أبدانهم وأمرهم الرب أن يظهروهَا زينةً عليهم. تصوم الأرواح والأجساد وتحج الأرواح والأجساد ويأتي العيد بعدهما. يفيض كرماءُ العباد عطاياهم على من لا يعرفون عندما ينكسرون على أعتابهم وعلى من لا يحبون فالأولى بالكرمِ والحب والغنا المحض أن يهب عطاياه من أحب ومن كره.

رباهُ لو اتفقنا كلنا على أن نعود في العيد القادم أصحاءَ وسعداء ونقشنا على صخرة الأميال شهرانِ وعشرة أيام قبل العيد وانتظرناه هَلاَّ تفضلت وأبقيتنا. سوف تبقى كل خلايانا ثائرةً تعد الأيام والساعات راغبةً في الحياة، من يأخذه تعب الرحلة وينفصل عن الركب له أن يستريح ثم يلحق بالركب عند صخرة العيد القادم حين يسمع الأذان بالحج.

رباه ماذا لو طلب من تعطيه ما أراد منك أن يقول أعطي أصحابي ما أعطيتني. كلنا على ضفافِ نهرك الكبير، عَبَرَ من عبر وعلق الكثير في وحل الخطايا! أنقذهم واستوهبهم يا رب هَلاَّ  مننت وأعطيتنا كلنا، لقد قادتنا إليك الآمال.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
طاهرة آل سيف
15 / 6 / 2018م - 3:15 ص
كنت قد أرسلت بعض الكلمات عبرت بها عن الإلهام المختبيء في زوايا المقال لكن لا أعرف أين وصلت الرسالة ..
كل عام وأنتم بخير وأعاده الله عليكم أعواماً ، بعد ساعات تحتفل الدنيا بانتحار الخطايا والذنوب كم كانت صورة جميلة وإن لم تكن الخطايا جميلة يوماً ، ولكنها كذلك في هذا اليوم .
(رباهُ لو اتفقنا كلنا على أن نعود في العيد القادم أصحاءَ وسعداء ونقشنا على صخرة الأميال شهرانِ وعشرة أيام قبل العيد وانتظرناه هَلاَّ تفضلت وأبقيتنا) معاهدة جميلة بها تعزية شافية في وداع الشهر الفضيل وانتظاره بالرجاء في العام المقبل ، دامت أعيادكم سعيدة .
مستشار أعلى هندسة بترول