آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

يا مُنقذَ التيهِ قد تاهت بي الفِكَرُ

يلعب الصغارُ عند شاطئ البحر وفي لعبهم يبنونَ بيوتاً من الطين. متى ما استوى كوخٌ عصروهُ براحاتِ أيديهم، يخرج الماء من الطين ويشتد عود الكوخ. إن أكملوا بناءه ربما صار قصراً جميلاً وإن أهملوه جرفته مياهُ الساحل نحو البحر وعاد الطينُ طيناً.

تفيضُ أفكارُ المرء بعضها دون سَدٍّ وبعضها تحميه سدودُ الأقلامِ والورق ويستمرأهُ زُرَّاعُ المعرفة والفكر. ما نكتب بأناملنا هو نتاج أفكارنا ونفوسنا وعواطفنا التي لا بد أن نطرقها ونستطرقهَا قبل أن نخرجها للعراءِ والنقد. أول إنسانٍ يقرأ ما يكتب هو أنت فهلا قرأتَ ما كتبت واستمتعتَ به قليلاً! فكل زارعٍ يأكل زرعه وكل طاهٍ يأكل طبخه. إن لم تستمتع بما كتبت فهو دليلٌ على أنك لم ترى فيها ما يستهويك وتقول هذا فكري يسبح في الفضاء ونفسي تطير إلى عالمٍ أرقى. كل ما نكتب لابد أن تكون فيه شرارة معرفةٍ أو بلسمَ جراح. إن لم يكن هذا أو ذاك فلا ضير أن تطرب له النفس وتسترخي من عقالها وتدخل في خيالها وجماليتها. بعض الكلامِ يشبه الصورة التي ليس فيها سوى المروج والأزهار لكنها تسحر من يراها.

لن يصلَ إلا القليل منا إلى ذروةِ إتقان الفكرة ويصيح وَجَدْتُهَا وَجَدْتُهَا، أين الملوك؟ ولكن عند استحضار أفكارنا لن نبقى في سفوح جبال الجهل. ليس سراً أن ليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما قيل حضر أهله لكن يعطينا القلمُ واللسانُ فرصة أن نقول لم أكتب بعد أن نمسح ولم أقل بعد أن نصمت. حذارِ ما إن يطيشَ أحدهما ويسمع الناسُ ما قلت أو يقرأو ما كتبت فهي ملكهم وأنت في عداد من رفعه اللسانُ أو القلم أو وضعه اللسانُ أو القلم. كتبتُ في بداية عملي رسالةً إلى مسئوول ولم أقرأها وعندما قرأها صاحبي كانت ثقوبها مثل الغربال وكتبت شعراً وعرضته على شاعرٍ، قال لي لا تكتب شعراً وسوف أهديك قصيدة!

كتب الكميتُ بن زيد «الهاشميات» واطربتهُ فلما عرضها على الشاعر الفرزدق بن غالب سمع صدى طرب الفرزدق: يا بن أخي أذع ثم أذع فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي:

طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ
وهل لعبٌ مني  وذو الشيب يلعبُ
ولم يلهني دار ولا رسم منزلٍ
ولم يتطربني بنانٌ مخضبُ
ولا السانحاتُ البارحاتُ عشيةً
أَمَرَّ سليمُ القرنِ أم مَرَّ أعضبُ
ولكن إلى أهلِ الفضائل والتقى
وخير بني حواء والخير يطلبُ

في ذكرى الزمنِ الماضي يجتمع ثلةٌ من نساءِ الحي قبل زفاف العرائس ينقون حَبَّ الأرز مرةً أو اثنتان مما يخالطه  من صغارِ الحصى ونحن لو جعلنا فكرنا أنقى وأصفى لاستسلمَ له الناس واستساغوه. يأتي الإنسانُ إلى الدنيا صامتاً ويخرج منها صامتاً وما إن يتغلب على لسانه لا يتوقف عن الثرثرة فلو سمع صوته أو قرأ ما كتب ربما صمتَ كثيراً وكتب قليلاً.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
طاهرة آل سيف
18 / 6 / 2018م - 2:21 ص
قوام الكلام الفكرة والكلمة ، ثم تكتمل الصورة ثم لا يغادر المقال ذهن من سمعه أو قرأه ، ماذا لو جُمعت كلمات هذا القلم في كتاب ؟ فتصبح كما قلت ( بعض الكلامِ يشبه الصورة التي ليس فيها سوى المروج والأزهار لكنها تسحر من يراها ) ، سوف تُحفظ الصورة كاملة فضلاً عن المروج والأزهار وباقي الفِكَر والجماليات ..
مستشار أعلى هندسة بترول