آخر تحديث: 18 / 7 / 2018م - 5:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

الألم وتاريخ المجال الطبي

محمد الحرز صحيفة اليوم

الألم مفردة لا تتطلب صعوبة في استحضارها جسديا، على المرء أن يتألم فقط، ثم وحدها تأتي على شكل أصوات وكأن اللسان والحنجرة يربطهما رابط عصبي مشدود للدماغ، يجعلهما يصدران تلك النغمات من الأصوات كلما تحرك عصب في الرأس. لكن أين يقع الألم بالتحديد؟ وفي أي موضع من الجسد يتواجد؟ وإذا كان الشعور بالألم ليس الألم نفسه، فكيف بمقدورنا التفريق بين هذا وذاك؟.

الطب وفي مراحل تطوره استطاع أن يصنف الألم ويؤطر مجاله وبالتالي يتحكم فيه من خلال أنواع العلاج الذي يعطى للمريض، فالمريض الذي يشعر بالصداع المزمن له علاج معين، والمريض الذي يعاني الروماتيزم له دواء مناسب وهكذا استطاع أن يصنف جميع الأمراض البسيطة منها والمستعصية، وبالتالي يوجد لكل داء دواء كما يقال. لكن رغم الحاصل في المجال الطبي من تطور وتقدم في مجال البحث المعرفي والتقني، غير أن معضلة التشخيص الإكلينيكي هي من أهم الثغرات التي يعاني منها الطب، فحين تذهب إلى الطبيب ويقوم بفحصك سريريا دون الاستعانة بالطبع بالوسائل التقنية الحديثة في التشخيص، سوف يعتمد على خبرته فقط في تحديد المرض، وإذا كان أكثر دقة سوف يقوم بإجراء استجواب للمريض عن حالته الصحية ويسأله عن تاريخ عائلته الصحية. في هذه الحالة ماذا يحدث؟ إما أن يكون التشخيص دقيقا وناجحا وبالتالي يكون الدواء ناجعا ومناسبا أو يكون التشخيص غير دقيق وبالتالي عدم انتفاع المريض بالدواء. ما أريد أن أصل إليه هو أن احتمال سوء التشخيص - وهو بالطبع وارد في الكثير من الحالات في تاريخ الطب - لا تقع مسؤوليته على ضعف إمكانية الطبيب أو لنقل مسؤوليته لا تساوي شيئا أمام مسؤولية الطب نفسه، فالتقاليد الطبية منذ تأسست على قوانين معينة «برادايم» كان مفهوم الألم ترسخت أركانه على كون الألم الذي يعاني منه إنسان «أ» لا يختلف عن ألم إنسان «ب» أو «ج»، وهكذا أصبح الألم الإنساني في نظر المجال الطبي واحدا في جميع حالات الإنسان، وكأن الإنسان مجرد جسد فقط بحيث لا يرتبط هذا الجسد بتاريخه الروحي والنفسي والاجتماعي والتربوي، وبالتالي تصبح هذه الارتباطات معزولة كلية عن مفهوم التشخيص الطبي. فالتعامل مع الجسد بوصفه جسدا فقط هو من الثغرات الكبرى التي تحاول بعض الحقول في العلوم الإنسانية في الانثروبولوجيا متابعتها والكشف عنها اجتماعيا وتاريخيا.

في روايته «واحد ولا أحد ومائة ألف» يقارب الروائي الإيطالي الحاصل على جائزة نوبل للآداب لويجي بيراندللو الإنسان بوصفه منتج أنوات متعددة، فهو يتعدى ثنائية الأنا والآخر المستعملة دائما في المجال الفكري، فهو يجعل من شخصيته الرئيسة «موسكاردا» شخصية تكشف عن ليست أنا واحدة يحملها فقط بل العديد من الأنوات حسب العلاقات والمواقف التي يصادفها في حياته سواء أمام زوجته أو أصدقائه أو الذين يعملون لديه، فهو يعتقد أن لكل موقف أنا معينة هي التي تتحكم فيه وتتحدث باسم جسده. فإذا كانت هذه الرواية تكشف لنا التنوع في الأنا عند الإنسان الواحد فكيف يمكن النظر إلى الألم من خلال إنسان واحد ومن ثم تعميمه على الجميع؟! أليس على الطب أن يتعلم الشيء الكثير من السرد الروائي!.