آخر تحديث: 15 / 12 / 2018م - 11:47 م  بتوقيت مكة المكرمة

النقاش العاطفي والنقاش الموضوعي

أمير الصالح

”كن موضوعيا في رأيك“ هكذا يخاطب احدهم الاخر عندما تحتد المواقف في النقاشات وتتباين الآراء.

بحثت بين عدة كتب عن التعاريف والتفسيرات لـ الموضوعية والذاتية وانتهيت لبعض الخلاصات. اشارك بتلك الخلاصات معكم للتدارس والاستفادة.

يقسم الكاتب دكتور صموئيل حبيب في كتابه ”كيف تكون موضوعيا“ الشخصيات الى ذاتية subjectivity والموضوعية objectivity. والشخصية الذاتية subjective one ذات سمات منها:

- الميل للذات بكل عواطفها ورعاية المصالح الشخصية والحفاظ على رمزية المكانة الاجتماعية وقد تميل في حدها التطرفي لتتجاوز الحدود الطبيعية فتكون لديها الانانية والاستغلال دونما اكتراث للمصالح العامة.

- تاكيد الارتباط القبلي او الاجتماعي او المناطقي على حساب الانتماء الوطني الاكبر. وهنا يسجل الانسان الاصطفافات العاطفية على اساس اللون او العرق او المذهب او الدين وليس على اساس صحة الفكرة.

- مجتمع العاطفي sentimental وهذه مماثلة الميول القبلية وبعيدة عن العقلنة وتسودها لغة الفزعة والاصطفاف وردود الفعل.

من المعلوم بالضرورة ان الميول العاطفية مهمة جدا وهي امر عقلائي من خيث المبدأ الا اذا طغت العاطفة التعبيرية وتحولت الى موجات عاصفة تلغي كل شي عقلي وموضوعي فحينها تكون ذاتية وقد تكون مدمرة.

يدعو الدكتور صموئيل لملازمة الشخصية الموضوعية المتزنه لانها تتسم ب المنهجية في التفكير وتنمي روح الحوار الفعّال وتزيد مساحة التقدم في الخطابات والعمل المشترك وتقلل من الزوايا الحادة او التوتر في العلاقات بين الافراد والجماعات وترتفع بمستوى النقد الموضوعي وتنقيح الافكار والنظرة للاحداث وهذا يعول عليه في نضج الفرد والمجتمع وبناء المستقبل الانجع.

ولعل من اهم صفات الانسان الموضوعي

هو: ارتفاع منسوب الثقة بالنفس والبحث عن الحقيقة المجردة، والدفع نحو المصلحة العامة وتبني العلاقات السليمة مع بني البشر.

وكذا يقال نفس المثل وعلى قدم المساواة في استحضار الامثلة، عندما يقدم شخص نفسه على انه رجل دين او وجيه اجتماعي او مصلح اجتماعي او رجل قانون او ممثل سلطة ما او نجم رياضة ويسطع نجمه في مجتمعه، وهناك في ذات الوقت من يقف من الاشخاص على حجم اختلاسات او فساد اخلاق وسلوك ذاك الشخص النجم ولكن يفضل ذاك البعض كتم تلكم الفضائح خوفا او مصلحة او تبادل منافع ما. فان المنطق الموضوعي والاخلاقي يتحتم على ذاك البعض ان كان نزيها وموضوعيا تقديم أدلته العقلانية لنصح وتحصين مجتمعه من شر الفجار في اطر حوارات ناضجه والابتعاد عن الطعون الضنية او النقل الغير موضوعي او التوجيه الاعلامي ضد هذا او ذاك لتحصين المجتمع من الزلل وسوء الاستغلال وتبديد الحقوق واناشار الكراهية.

نحن نعلم جميعا بان الهروب من المكاشفات الموضوعية وسوء استغلال العاطفة الجياشة تحت اي عنوان والسلبية بالانكفاء الداخلي دونما تحريك ساكن ودفن الاخطاء دون برامج تصحيحية سيولد وسيلحق الضرر بالبسطاء والنجباء من ابناء المجتمع سواء كان ذلك المجتمع مجتمع شركة او مجتمع احياء سكنية او مجتمع انتماء تجمع وطني او تجمع ديني؛ واستمرار الواقع السيئ بمدى مفتوح زمنيا وطغيان المصالح الشخصية والشللية على كل مفاصل الامور هو نتيجة حتمية لانسداد باب الحوارات الموضوعية الهادفة واغلاق باب النقد الحر والموضوعي الناضج.

من المهم ان يعيش ابناء المجتمع الواحد بحياة النقاش الموضوعي المستمر الحي المتوقد حيوية في شتى المواضيع ذات الاهمية لضمان التحصين ضد الاستغلال والمتاجرة ب الشعارات البراقه ورفع مستوى المسائلة ورفع روح الوعي وضمان استمرار التكافؤ والاحترام والانتماء. علميا كما تزعم بعض كتب علم النفس، لا يمكن للانسان ان بكون موضوعيا بنسبة 100 بالمائة ولكن من موضوع الى موضوع نسب التعاطي بموضوعية مع ذات الشخص تختلف. واذا كان من المهم في حالة عقد اي حوار ان يشخص الانسان بفطنته نسبه موضوعية الشخص المحاور معه اذا ماكان موضوعيا او ذاتيا. لان الحوار مع من تطغى عليه الذاتية بشكل دائم، هي اشبه بحوار محسوم النتائج لاسيما اذا كان احد الطرفين محاور ماكر وخبيث والطرف الاخر طيب القلب.

وهذا الكلام يستحضر في اذهاننا جميعا اصناف متنوعة من انواع البشر من الجنبة النفسية في حالة حدوث حوار؛ فهناك محاور نرجسي، او محاور مغرور او محاور متعصب او محاور جاهل او عنيد ومحاور ناضج ومحاور ذو نفس طويل.... الخ. ويضل المحاور الموضوعي والايجابي هو الشخص الذي تستفيد من الدخول في الحوار معه لقطف ثمار المثاقفه من ناحية ورسم خارطة طريق للخروج ب قائمة فعاليات او انشطة لمعالجة شأن ما.

فائدة 1: يقال بان مستوى النقاش الموضوعي يتصاعد في حالة وجود اجواء مليئة بالحرية في التعبير واحترام للكلمة وقبول للاخر ونضج في التربية وامانة في النقل وسمو في النزاهة والاستقامة وانحسار في المحسوبية والعكس صحيح.

فائدة 2: عندما تسجل كاتب طرح نفسه كمفكر ويدعي بانه موضوعي وترصد ان معظم او كل كتاباته موجهه لشطب او الغاء او تهميش او تمزيق اطراف اخرى او تصيد هفوات او تضخيم مجهول او تقديم معلوم، فاعلم ان ذلك الشخص طرف في معركة متلبس بلبوس الموضوعية؛ وهو لا ينتقد الا طرف واحد او اطراف محددة بهدف الاسقاط. فاي موضوعية في هكذا حراك من هكذا اشخاص!!